تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود، وإن كان على ما بينا نافع جدا.

ثم لأبي سليمان في السياسة العملية نظرات صائبة أحكي منها مثلا أو مثلين: لقد كان ابن سعدان الوزير البويهي يتأفف من كلام الناس في السياسة ومحاولتهم تعرف كل صغيرة وكبيرة يفعلها الوزراء والأمراء حتى ليودون أن يعرفوا ما يجري في بيوتهم، وما في دخائل أنفسهم، وقد ضاق الوزير ذرعا بذلك، وود أن يؤدبهم بالضرب والتنكيل حتى لا يخوضوا في مثل هذا الحديث وأن يتوجهوا فقط إلى معايشهم ووسائل تحصيلهم.

وقد شكا الوزير ذلك إلى أبي حيان، فنقل له أبو حيان من كلام أبي سليمان في ذلك قولا رائعا، ونظرا صائبا وفصلا لم تبل جدته، ولم تغيره الأيام على اختلاف تقلب السياسة ، فهو جديد اليوم كما كان جديدا في أيامه.

قال أبو سليمان:

ليس ينبغي لمن كان الله جعله سائس الناس عامتهم وخاصتهم أن يضجر مما يبلغه عنهم أو عن أحد منهم لأسباب كثيرة: منها أن عقله فوق عقولهم، وحلمه أفضل من حلومهم، وصبره أتم من صبرهم، ومنها أنهم إنما جعلوا تحت قدرته نيطوا بتدبيره، ليقوم بحق الله فيهم ويكون عماد حاله معهم الرفق بهم والقيام بمصالحهم، ومنها أن العلاقة بين السلطان وبين الرعية قوية، وهي أوشج من الرحم التي تكون بين الوالد والولد، والملك والد كبير، كما أن الوالد ملك صغير، وما يجب على الوالد في سياسة ولده من الرفق به، والحنو عليه، واجتلاب المنفعة له أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده ... ومما يزيد هذا المعنى كشفا أن الملك لا يكون إلا بالرعية، كما أن الرعية لا تكون رعية إلا بالملك ... وبسبب هذه العلاقة المحكمة لهجت العامة بتعرف حال سائسها، والناظر في أمورها حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها، وطيب حياتها، ودرور مواردها، بالأمن الفاشي بينها والعدل الفائض عليها والخير المجلوب إليها، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة، ومندوب إليه في أحكام الشريعة، ولو قالت الرعية لسلطانها: لم لا نخوض في حديثك ولا نبحث عن غيب أمرك. ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك، ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك، ومصالحنا متعلقة بك، وخيراتنا متوقعة من جهتك، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك، ما كان جواب سلطانها وسائسها؟ أما كان عليه أن يعلم أن الرعية مصيبة في دعواها؟

ولو قالت الرعية: لم لا نبحث عن أمرك، وقد ملكت نواصينا وصادرتنا على أموالنا وقاسمتنا مواريثنا، وإن طرقنا مخوفة، وخراجنا مضاعف، ومعاملتنا سيئة، وجندينا متغطرس وشرطينا متعجرف، ومساجدنا خربة، ووقوفها منتهبة ومارستاناتنا خاوية، وأعداؤنا مستكلبة ماذا يكون الجواب؟

وعلى هذا يمضي في بيان حقوق الرعية على الراعي في حرية تامة. وجرأة مستفيضة. وقد أعجبني من أبى حيان شجاعته في نقل هذا القول للوزير ابن سعدان فأصلح رأيه وألجم لسانه.

ومثل آخر من نظرته الصائبة في السياسة: أن أبا سليمان حكى أن كسرى أنوشروان لما تقلد مملكته عكف على الصبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره رقعة يقول فيها: إن في إدمان الملك ضررا على الرعية، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمر المملكة. فوقع كسرى على ظهر الرقعة بالفارسية ما ترجمته: إذا كانت سبلنا آمنة وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتنا عامرة، وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحة عاجلة؟

وعلق أبو سليمان على هذا فقال: «أخطأ كسرى من وجوه: أحدها أن الإدمان إفراط، والإفراط مذموم. والثاني أنه جهل أن أمن السبل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحق متى لم يوكل بها الطرف الساهر، ولم تحط بالعناية التامة ولم تحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظام، دب إليها النقص، والنقص باب للانتفاض مزعزع للدعامة. والثالث أن الزمان أعز من أن يبذل في الأكل والشرب والتلذذ والتمتع، فإن في تكميل النفس الناطقة باكتساب الرشد لها، وابتعاد الغي عنها، ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرا، وكان ما يدعو إليه الهوى كبيرا. والرابع أنه ذهب عليه أن الخاصة والعامة إذا وقفت على استهتاره باللذات وانهماكه في طلب الشهوات، ازدرته واستهانت به، وحدثت عنه بأخلاق الخنازير وعادات الحمير، واستهانة الخاصة والعامة بالناظر في أمرها، والقيم بشأنها، متى تكررت على القلوب تطرقت إلى اللسان وانتشرت في المحافل، والتفت بها بعضهم إلى بعض وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قط».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٩٧