تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا في نظري رأي دقيق معتدل يستحق كل تقدير وإعجاب. وقد سقنا هذا مثلا لعمق تفكيره في أعوص المسائل ودقة نظره واستقلال رأيه.

وعلى هذا الأساس كره علم الكلام والمتكلمين، لأنهم حاولوا أن يبرهنوا على قضايا الدين بالمنطق، فقال: ولمصلحة عامة نهي عن المراء والجدل في الدين على عادة المتكلمين الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين وهم في غاية العداوة للإسلام والمسلمين، وأبعد الناس من الطمأنينة واليقين؛ ذلك لأن الدين في نظره كما يقول مبني على القبول والتسليم، فمتى آمن المرء بنبي سلم بما جاء به من غير لم وكيف إلا بقدر ما يؤكد أصله ويشد أزره، وينفي عارض السوء عنه؛ لأن ما زاد على هذا يوهن الأصل بالشك، ويقدح في الفرع بالتهمة.

وحكى حكايات تسخف المتكلمين وتبين سوء جدلهم، وأن كثيرا منهم حار ووقع في القول بتكافؤ الأدلة، وهو ضرب من الشك. •••

وكثيرا ما كانت تثار في مجلس أبي سليمان ببغداد المسائل النفسية، إما نفسية بحتة أو نفسية تطبيقية على الأفراد أو نفسية اجتماعية، فمن النوع الأول أبحاثه الكثيرة في النفس، وهو يرى أن الإنسان جسم ونفس، وهما عنصران متباينان، فالجسم له أبعاد ثلاثة والنفس لا أبعاد لها، وهي جوهر بسيط لا يتجزأ، ولا يدرك بحاسة من الحواس الخمس، ولا يقبل التغير والاستحالة من شيء إلى شيء، ولا يعتريه فتور ولا ملال، وهي تخالف الجسم في قبولها للصور المختلفة من جنس واحد في وقت واحد؛ فالجسم إذا كان على شكل مثلث استحال أن يكون مربعا أو مدورا إلا إذا زال شكل التثليث، وليست كذلك النفس، فهي تقبل الصور المتعددة على التمام والنظام من غير محو وإثبات؛ ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلما نظر وبحث وارتأى وكشف، وقد صحبت النفس البدن عند مسقط النطفة، وما زالت تربيه وتغذيه، وتحييه وتسويه حتى بلغ ما نرى. والإنسان بهما إنسان وليس بأحدهما، ونصيب الإنسان من النفس أكثر من نصيبه من البدن.

والإنسان يريد أن يعرف النفس، وهو لا يعرف النفس إلا بالنفس، وهو محجوب عن نفسه بنفسه، وكل من كانت نفسه أصفى، ونظره أعلى، كان من الشك أنجى، وإلى اليقين أقرب، والنفس قوة إلهية بسيطة، ولبساطتها كان خلودها؛ لأن الفساد إنما يدب إلى الجسم من تركيبه، والبدن إنما يبلى ويفسد ويبطل ويموت لأن النفس فارقته، والنفس لا يفارقها شيء ليعتريها الموت؛ وهكذا يفيض في هذا. وقد أرسل إليه مرة الوزير ابن سعدان أسئلة مع ابي حيان في النفس وطبيعتها ودليل بقائها، وهل تعلم هذا العالم بعد مفارقتها الجسم إلى آخره. فكتب إليه في الإجابة رسالة لطيفة مختصرة. ويقول أبو حيان إن أبا سليمان كان إذا تكلم في النفس أفاض وأتى بالعجب. وفي الحق أن أبا حيان ملأ كتبه بأحاديث أبي سليمان عن النفس.

وهو يطبق معارفه في النفس على سلوك الأفراد والأمم. أطلعه مرة أبو حيان على صحيفة في تعريف الأخلاق وتحديدها، نقلها عن عيسى بن زرعة، فنظر فيها أبو سليمان وقال: «إن تحديد الأخلاق لا يصح إلا بضرب من التجوز والتسمح، وذلك أنها متلابسة تلابسا، ومتداخلة تداخلا، والشيء لا يتميز عن غيره إلا ببينونة واقعة تظهر للحس اللطيف أو تتضح للعقل الشريف، ألا ترى أن التواضع مشوب بالضعة، وعلو الهمة بالكبر، وعزة النفس بالعجب، والحلم ببعض الضعف؟ هذا بالقول ربما سهل وانقاد، ولكن بالعقل ربما عز واعتاض، والأخلاق والخلق مختلطة.

ثم قال: «وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج، والإنسان والإنسان، وإنك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من الروم إلى الجود، والطمع في جبان الترك أن يتحول شجاعا أقوى من الطمع في جبان الكرد أن يكون بطلا».

يريد أن مزاج العرب أقرب إلى الجود فسهلت الدعوة إليه، ومزاج الترك أقرب إلى الشجاعة فسهلت الدعوة إليه، وليس كذلك مزاج الروم في الجود إلخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٩٦