وله في تحليل شخصية عضد الدولة السياسية وأحوال الناس في زمانه واضطرب أمرهم بعده ما يدل على دقة نظر. وهو يرى أن لا بد من الأخذ بقواعد السياسة بجانب الدين، ولا بد من اطلاع السائس على كتب السياسة التي كتبها الحكماء وعرفانها والعمل بها والزيادة عليها حسب مقتضيات الأحوال؛ وقد كتب هو نفسه رسالة لطيفة في السياسة أهداها إلى قابوس ملك جرجان.
وقد حكى أبو حيان عنه أن أبا سليمان كان إذا تكلم في مثل هذه الموضوعات عجبوا منه وعوذوه وسألوه أن يؤلف لهم فيها.
ولأبي سليمان كلمات رائعة في الحكمة على نحو ما روى لأفلاطون وبقراط وأمثالهما من حكماء اليونان.
وكان دقيق الحكم، له الطبع العلمي المنصف الذي لا يهرف بما لا يعرف.
قيل له يوما: هل هناك بلاغة أحسن من بلاغة العرب؟ فقال: «هذا لا يبين لنا إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها، ثم نحكم حكما بريئا من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة».
قال له أبو حيان يوما: كيف أصبحت؟ فقال: «أصبحت مالك الظاهر مملوك الباطن ... إن حزنت حزنت طباعا، وإن فرحت فرحت خداعا، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلب الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وا شوقاه إلى وطء ذاك البساط! وا كرباه من عقد هذا الرباط! يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير!»
وكان أبو حيان وغيره يأتونه بالصفحة من كلام الصوفية أو من الفلسفة اليونانية فيستحسنها ثم يملي عليهم من عنده خيرا منها.
كان له طبيعة يفلسف بها كل شيء مر على سمعه أو تحت نظره؛ فما يسمع بحادث، أو يعرض عارض، أو ترد خاطرة حتى تفيض فلسفته ويغمر بها سامعيه.
وكان مع هذا له مجالس أنس يروح فيها عن نفسه. كان مشغوفا بسماع الغناء من فتى موصلي نابغ، فيطرب من غنائه أشد الطرب وكان يخرج بعض أيام الربيع إلى البساتين ومعهم مغن، فهل ينسى فلسفته حتى في هذه الأوقات؟ كلا. كان يثير مثل هذه الأسئلة: لم كان المغني إذا تابعه أحد في غنائه وسانده يكون غناؤه ألذ وأطيب، وأحلى وأعذب؟ ويغنيه مرة غلام جميل الصوت تنقصه الصنعة، فيثير مسألة: لم تحتاج الطبيعة هنا إلى الصناعة؟ وهكذا يفلسف كل شيء حتى لو قال له أحد: «السلام عليكم»، لفلسفها كما فلسف سؤال أبي حيان له: كيف أصبحت؟
وليست فلسفته بالبساطة التي عرضتها. فكثيرا ما يعمق حتى يدق فهمه، ويسمو حتى لا يدرك، ويرمز حتى لا يبين.
وهذه المسائل التفصيلية كلها ترجع في فلسفته إلى أصول كلية خلصت له، وصحت عنده واعتنقها، وولد منها كل هذه الفروع.
ما هذه الأصول؟ ومن أي مدرسة كان أبو سليمان من مذاهب الفلسفة الإسلامية؟ وهل كان أرسططاليسيا أو أفلاطونيا؟ وإلى أي حد كان مقلدا للفلسفة اليونانية؟ وإلى أي حد كان أصيلا؟ هذه مسائل تحتاج إلى بحث أدق ونظر أعمق.
أيا ما كان فقد كان أبو سليمان شخصية ممتازة لم تنل حقها من التقدير، لقد تركت دويا كبيرا في محيطه وفي زمنه، وكان بيته مقصد العلماء ليلا ونهارا؛ هذا أبو حيان يقرأ عليه كتاب النفس لأرسطو، وهذا يعرض ما غمض عليه من أقوال الفلاسفة فيشرحها، وهكذا كان مجلسه متعة النفس وغذاء العقل، وأقواله تنقل إلى الخاصة، ويتجادل فيها العلماء في مجالسهم، ويتخاصم فيها في سوق الوراقين، وتحدث حركة علمية جليلة، ولكن لا تلبث أن تخبوا وقل من التفت إليها وحرص على دراستها، كما فعلوا بكتب ابن رشد وابن سينا وأمثالهما، والدنيا حظ والوجاهة حظ.
وهو مع الأسف لم يخلف لنا كتابا أو كتبا تعرض كل فلسفته مبوبة مرتبة، ولكن نبذ من هنا ومن هناك حكاها عنه أبو حيان.