ونزعة أخرى عكس هذه تماما، وهي تحكيم الدين في العقل أو الفلسفة، وعرض نظريات الفلسفة على الدين فما وافق منها الدين قبل وإلا رفض، ويمثل هذه النزعة المحدثون والفقهاء.
ونزعة ثالثة آمنت بالفلسفة وأرادت أن تؤمن بالدين ففسرت الدين تفسيرا فلسفيا، وبعبارة أخرى حولت الدين إلى عقل، وما لم يمكن تفسيره من الدين بالفلسفة أولته، أي أنها جعلت الدين والفلسفة وحدة خاضعة لتفسير العقل؛ وهذا ما كان يحاوله الفلاسفة الإسلاميون أمثال الكندي والفارابي، وأخيرا في هذا العصر الذي نتحدث عنه «إخوان الصفاء» فمزجوا الوحي بالتشبع بالفلسفة اليونانية، وحاولوا أن يكونوا منها وحدة، فإذا صادفتهم صعوبة من أنواع من الوحي لا يمكن تفسيرها بالعقل كبعض أشكال العبادات سبحوا في الخيال وأمعنوا في الرمز حتى يلائموا بينها وبين الفلسفة.
طلع أبو سليمان المنطقي برأي في هذا جديد، ولم يعجبه ما فعل إخوان الصفاء وقال فيهم: «إنهم تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحلموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا ففلفلوا، ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع، ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة وأن يضموا الشريعة للفلسفة ... وقد توفر على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنيابا وأحضر أسبابا، وأعظم أقدارا. فلم يتم لهم ما أرادوا، ولا بلغوا منه ما أملوا، وحصلوا على لوثات قبيحة ولطخات فاضحة وعواقب مخزية، وأوزار مثقلة».
وقد أبان السبب في هذه الطريقة بأن منهج الدين يخالف تماما منهج الفلسفة، فأساس الدين الوحي وهو الأخذ عن الله بواسطة السفراء بينه وبين خلقه، وبرهانه الآيات وظهور المعجزت، وهو يشتمل على ما يوجبه العقل تارة ويجوزه تارة، وفيه ما لا سبيل إلى إقامة البرهان على ثبوته أو نفيه. وإنما يقبل بالتسليم من غير لم وكيف ولو وليت، ومعنى هذه التعاليم الورع والتقوى، ووسيلتها العبادة وطلب الزلفى.
أما الفلسفة فأساسها العقل ووسيلته المنطق ودرس المقدمات وربط المقدمات بالنتائج وعدم قبول شيء إلا أن يقوم البرهان المنطقي عليه، وفي الدين ما لا يمكن قبوله إلا بالتسليم، لأنه لا يمكن إقامة البرهان عليه بالنفي أو الإثبات.
فكيف إذن يسوغ لإخوان الصفاء أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة تجمع حقائق الفلسفة وحقائق الدين في نطاق واحد؟
وإذن، فما الحل؟
يكاد أبو سليمان يرى أن للدين مجالا وحدودا وللفلسفة مجالا وحدودا؛ فالدين لم يأت لشرح النظريات العلمية وإنما أتى لشرح العلاقات بين العبد وربه، والفلسفة أتت لتفسير الكون وقوانينه الطبيعية، ولم تأت لتفسير الأمور الغيبية، فلنتبع الدين في مجاله وحدوده، ولنتبع الفلسفة في مجالها وحدودها، وهو في حدود الدين لا ينظر إلى الفلسفة، وهو في حدود الفلسفة لا ينظر إلى الدين. يقول: والعاقل «يتحلى بهما مفترقين في مكانين، على حالين مختلفين، ويكون بالدين متقربا إلى الله على ما أوضحه له صاحب الشريعة عن الله تعالى، ويكون بالحكمة متصفحا لقدرة الله في هذا العالم الجامع للزينة الباهرة لكل عين، المحيرة لكل عقل، ولا يهدم أحدهما بالآخر، أعني لا يجحد ما ألقى إليه صاحب الشريعة مجملا ومفصلا، ولا يغفل عما استخزن الله هذا الخلق العظيم على ما ظهر بقدرته ... ولا يعترض على ما يبعد في عقله ورأيه من الشريعة بأحكام الفلسفة، فإن الفلسفة مأخوذة من العقل المقصور على الغاية، والديانة مأخوذة من الوحي الوارد من العلم بالقدرة. ولعمري إن هذا صعب، ولكنه جماع الكلام وأخذ المستطاع وغاية ما عرض له الإنسان المؤيد باللطائف».
ويقول: «إن الفلسفة حق، لكنها ليست من الشريعة في شيء، والشريعة حق، ولكنها ليست من الفلسفة في شيء، وصاحب الشريعة مبعوث، وصاحب الفلسفة مبعوث إليه، وأحدهما مخصوص بالوحي والآخر مخصوص بوحيه، والأول مكفي، والثاني كادح».