ولكن كان أبو سليمان واسطة عقدهم وجامع شملهم ومقصدهم في حل المشكلات وقائل الكلمة الأخيرة فيما يجري بينهم من مناظرات، وكان كما يصفه أبو حيان «أدقهم نظرا، وأقعرهم غوصا، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدرر، واوقفهم على الغرر، مع تقطع في العبارة ولكنه ناشئة من العجمة، وقلة نظر في الكتب، وفرط استبداد بالخاطر، وحسن استنباط للعويص، وجرأة على تفسير الرمز، وبخل بما عنده من هذا الكنز».
وهذا تحليل دقيق من أبي حيان لشخصية أبي سليمان. فهو قوي الفكر ألكن العبارة، وهو يعتمد على قوة عقله أكثر مما يعتمد على النقل من المؤلفات، وهو واثق بصدق رأيه أكثر مما يثق بما يقول غيره، وهو قوي الشخصية يجعل رأيه حكما في كل ما يعرض عليه، وهو بخيل بعلمه لا يذكر بعضه إلا للخاصة إذا دعت الدواعي.
ولعل في هذا بعض ما يفسر خموله، فضنه بعلمه جعله لا يخرج من المؤلفات ما ينشر ذكره ويعلي شأنه ويخلد اسمه، يضاف إلى هذا أن الله الذي وهبه بسطة في العلم والعقل حرمه الجمال، فهو أعور العين مصاب بالبرص مشوه الخلق يقول فيه الشاعر:
أبو سليمان عالم قطن
ما هو في علمه بمنتقص
لكن تطيرت عند رؤيته
من عور موحش ومن برص
وبابنه مثل ما بوالده
وهذه قصة من القصص
منعه هذا العور وهذا البرص من أن يغشى مجالس العظماء والأمراء والحكام، وفي ذلك العصر كان هذا الاتصال سبب الرزق للعلماء، ولم يكن الأمر كما هو في عهد ديمقراطية اليوم حيث يستطيع العالم أن يجد رزقه من الشعب بوسائل مختلفة، بل كان العالم إن لم يتصل بخليفة أو أمير يمنحه أو يصله بوظيفة يستدر منها رزقه في وقف من الأوقاف ساءت حياته وأصابه الضنك إن لم يكن له مال موروث.
والفلسفة على الخصوص محتاجة إلى عون الأمراء، بل وحمايتهم، لأنها ليست مستساغة للعامة وأشباههم، بل هي مكروهة منهم.
فكان أبو سليمان فقيرا معتزلا بالإكراه، لا يجد قوته ولا أجر مسكنه إلا بمشقة.
كان عضد الدولة يمنحه المنحة الفينة بعد الفينة، فلما مات عضد الدولة شق عليه موته. فمنحه الوزيران سعدان مئة دينار مرة، فتهلل لها، ووعده بأن يواصل منحه، ولكن الوزير قتل؛ فهذه المعيشة المنعزلة الفقيرة كان لها أثر كبير في خموله. كان بيته مع فقره مجمع فلاسفة بغداد، ومجلسه مملوءا بالبحث وتبادل الآراء في المشاكل التي تثار مع اختلاف ألوانها وموضوعاتها، وكتب أبي حيان كالإمتاع والمؤانسة، والمقابسات، والصداقة والصديق تشغل جزءا كبيرا منها محاضر لهذه الجلسات وتدوين مختلف وجهات النظر وما كان لأبي سليمان المنطقي فيها من قول فصل.
ونحن نستعرض بعض آرائه الدالة على عمق نظره وسعة أفقه.
لقد كان من أهم ما يثار في تلك الأيام مسألة لا تزال تثار إلى اليوم، وهي موقف الناس من الوحي ومن العقل، فأساس الأديان أن الله تعالى شاء أن يتصل بخلقه عن طريق رسله، فأوحي إليهم بتعاليم الدين علما منه بقصور العقل الإنساني وضيق مجاله، فإن استطاع العقل إدراك المادة وقوانينها فلن يستطيع إدراك ما وراء ذلك من عالم الغيب، وهذا هو ما بينه الأنبياء بما يوحى إليهم؛ وعلى هذا الأساس شرعت العبادات وشرح عالم الغيب، فهي قد جاءت لا عن طريق إعمال العقل وترتيب المقدمات والنتائج كما يفعل العقل في بحثه العلمي، ولكن عن طريق أن الرسول أوحي إليه من الله بهذه التعاليم فآمن بها، وبلغها للناس، فهل تعرض هذه التعاليم الدينية على العقل ليبحثها بطريقته الفلسفية والمنطقية؟
هذا سؤال عالجه قديما الفلاسفة كما يعالجه اليوم الفلاسفة ورجال الدين.
وكان في أيام أبي سليمان هذا أربع نزعات في هذا الموضوع. منهم من حكم العقل في الدين فعرض كل مسائل الدين على العقل، فما قبله العقل من الدين قبله وما لم يقبله رفضه. وكان من أكبر دعاة هذا المذهب زيد بن رفاعة المقدسي، وقد كان آية في الذكاء وحسن البيان وسعة الاطلاع، فكان يقول: الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط، فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا، ويرى أن الشريعة للعامة، والفلسفة للخاصة، وأن أدلة الدين ظنية وأدلة الفلسفة يقينية إلخ ما قال.