ثم سافر إلى فرنسا فأفاده ذوقه هذا كثيرا، فكم من شبان يرحلون إلى أوربا فيخسرون كثيرا ويكسبون قليلا، أما هو فقد كسب كثيرا، ولم يخسر قوميته، ولا شرقيته، ولم يتخل عن الجميل من قديمه.
وهكذا كان ذوقه في حياته دليله وهاديه ومرشده، وقد كتب إليه أستاذه الشيخ محمد عبده يقول: «ما سررت بشيء سروري أنك شعرت في حداثتك بما لم يشعر به الكبار من قومك، فلله أنت ولله أبوك، ولو أذن لوالد أن يقابل وجه ولده بالمدح لسقت إليك من الثناء، ما يملأ عليك الفضاء، ولكني أكتفي بالإخلاص في الدعاء أن يمتعني الله في نهايتك بما تفرسته في بدايتك؛ وأن يخلص للحق سرك، ويقدرك على الهداية إليه، وينشط بنفسك لجمع قومك عليه, والسلام». •••
سمح كريم النفس، يبذل العطاء للبائس والمحتاج، فكم بكته أسر كان يعولها في الخفاء، وكم له من يد على اليتامى والفقراء، وكم أنفق في تعليم محتاج، وكم سعى في توظيف عاطل، أو دفع الظلم عن مظلوم، أو إيصال الخير لمستحق، وأسعفه على ذلك ماله الخاص، فأنفق منه الكثير، ومركزه في الجمعية الخيرية الإسلامية ووزارة الأوقاف، فتعاون ماله الخاص والمال العام على إفاضة المعروف على البائسين والمحتاجين والمنكوبين، فكان نفاح اليدين وغيث المعروف.
وكان من طيب نفسه لا يحقد على مجرم أو مسيء أو مذنب، على حين يتهلل للمحسن والخير والنبيل، فكأن خلاصة فلسفته في ذلك الجبر في الإساءة، والاختيار في الإحسان، فهو لا يكره خصومه، ولا يبغض من أساءه، ولكنه يحب من أحسن ويحب كل الحب أصدقاءه.
إن أعجبه الجديد في فرنسا، فلا يكره القديم في الأزهر، وإن أعجبته الحضارة العصرية الأوربية، فإنه تعجبه الحضارة الإسلامية، وإن تذوق الأدب الفرنسي الحديث، فإنه يتذوق الأدب العربي القديم. وإن شغف بفلسفة «كانت» و«ديكارت»، فإنه مشغوف بفلسفة ابن سينا وابن رشد، وإن تكلم الفرنسية مع الفرنسيين، فإنه يتكلم العامية الصعيدية مع الفلاحين، فكان قلبه يتسع لكل شيء، ويتعشق كل جميل. •••
هذا خلقه.
أما أدبه - فكان كذلك مظهرا لذوقه، مقل مجيد، يتأنق فيه تأنقه في ملبسه وحركاته وسلوكه، يذهب مذهب من يرى الجمال في البساطة، لا يعجبه المهلهل من الأسلوب، ولا المفرط في الحلية، ذواق يتحسس اللفظ الجميل ليضعه في موضعه اللائق به، وقد يستعرض المترادفات ليرى أنسبها في مكانه، ويتحرى المعنى الرشيق والأسلوب الرشيق يحلي بهما ما يكتب، وخاصة في الاستهلال والختام، ويردد الجملة في نفسه ليستسيغها، كما يتذوق الشارب الشراب اللذيذ والطعام اللذيذ.
خبرته في ذلك يوم كان يحرر مقالاته الأدبية في «الجريدة» تحت عنوان «يوميات إبراهيم الفزاري» وأيام اشتركنا في تحرير مجلة «السفور» بعد عودته من فرنسا، ثم فيما كان يخطب ويكتب في الحفلات والمناسبات، ولو واتته الظروف وفرغ للأدب لكان منه الأديب الكبير الذي يتزعم مدرسة. •••
ثم كان أستاذا للفلسفة الإسلامية في كلية الآداب بالجامعة المصرية، فكان في مكانه الذي يتفق وهدوءه وسكينته وعقليته ومزاجه، سرعان ما امتدت أسباب الود بينه وبين طلبته فأنسوا به وأنس بهم، وأحبوه وأحبهم، وكان مقصدهم العملي والخلقي في الكلية وفي البيت وحيث يكون، يعرضون عليه مشاكلهم العلمية ومشاكلهم النفسية ومشاكلهم العائلية، فكان لهم أبا رحيما وكانوا له أبناء بررة، فإذا تخرج متخرجهم كان للأستاذ أخا صغيرا وصديقا وفيا، وهو من ناحيته لا يكل في السعي لهم حتى يطمئنوا في حياتهم، ثم يوعز إليهم بأساليبه الظريفة أن يستمروا في البحث والدرس والإنتاج، ويشرك الكثير منهم في تحضير دروسه معه، وحل ما يعرض له من المشاكل الفلسفية، فربى رجالا كما ربى عقولا، ومكنه الاتصال بطلبته أن يتعرف خواص كل منهم وموضع قوته وضعفه، فعالج وشجع ووجه، حتى رأينا «قسم الفلسفة» في الكلية ينشط في البحث والإنتاج، وينشر الفلسفة بين الناس، ويحببها إليهم بفضله.