لقد وجهت إلى المجمع نقود كثيرة مثل أن نتاجه قليل، أو أنه يختار ألفاظا لم يستسغها الجمهور وقد أضاف إلى الحقائق الواقعة خيالات مختلفة للتشنيع ونحو ذلك، ولم يكن مجمعنا المصري وحده هو الذي وجه إليه هذا النقد وأمثاله، بل قلما خلا مجمع في العالم من مثل هذا؛ وسبب ذلك على الأغلب أن طبيعة المجمع دائما طبيعة محافظة لا ترضي نزعة المجددين والثائرين، ولأن طبيعة العلماء دائما تميل إلى التدقيق والبطء، وتفضل النتاج الصحيح القليل على النتاج الكثير في غير نضج. والجمهور عادة يرى النتائج ولا يرى المقدمات، ويقدر ما يظهر على المرسح فقط ولا يقدر ما عمل وراء الستار، ولا يرى من الساعة إلا عقاربها. ثم إن مجمعنا لم يتصل بالجمهور الاتصال الكافي الذي يقنعه بضرورة وجوده مع أن نتاجه ليس بالقليل. وأخيرا من مشاكلنا أن ليس لنا استقلال مالي يشعرنا بالحرية في العمل، فإذا أردنا طبع مجلتنا فلسنا أحرارا، وإذا أردنا مكافأة على عمل نراه في صالح المجمع فلسنا أحرارا، وهذه عقدة العقد في كل عمل حكومي. وقد بني النظام من قديم على فقدان الثقة وتركيز الإذن بالتصرف، فعاق هذا كل تقدم. وعندي أننا لو خسرنا مليونا من الجنيهات كل عام وكسبنا ثقة بعضنا ببعض وحرية تصرفنا لكان ما خسرناه قليلا وما ربحناه كثيرا.
| الشيخ مصطفى عبد الرازق
رحم الله صديقنا وزميلنا مصطفى عبد الرازق رحمة واسعة، فقد ترك في نفس كل من عرفه فراغا لا يملأ، ولوعة يعز عليها الصبر.
كان رحمه الله متميزا في خلقه، متميزا في أدبه، متميزا في علمه.
نفس كريمة سمحة، وقلب عطوف رحيم، وصدر واسع رحب، لا يحمل حقدا ولا ينطوي على ضغينة، وحلم رائع لا يستفزه نزق، ولا يستخفه غضب.
لست أنسى يوما منذ أربعين عاما سمعت باسمه وأنا طالب بمدرسة القضاء، وهو أستاذ بها، وحول اسمه هالة من حسب ونسب، وغنى وجاه، فارتسمت في نفسي صورة من أبناء الذوات، يشمخون بأنوفهم، ويتكلمون من أطراف ألسنتهم، وينظرون إلى الناس في الأرض من أعلى السماء، فما رأيته حتى انمحت هذه الصورة الكاذبة، وحلت محلها صورة تخالفها كل المخالفة، قد أخذ من الأرستقراطية أجمل ما فيها، ومن الديمقراطية أجمل ما فيها. أناقة في الملبس من غير بهرجة، ورشاقة في الحركة من غير تصنع، وأدب في الحديث من غير ترفع، ودعة في النفس من غير تكلف.
فامتلأت منه نفسي، وأحببته وصادقته في جلسة، وتأكدت الصداقة بيننا على مر الأيام، وأشهد أني لم أر منه مرة ما يخدش الصداقة أو يعكر صفو الود، وهكذا كان شأنه رحمه الله مع كل صديق.
كان من أجمل ما فيه رحمه الله ذوقه المرهف الرقيق الدقيق، يتحكم في حياته المادية من ملبس ومأكل ومشرب، ويتحكم في حياته الأدبية والروحية من حديث لذيذ ممتع مؤدب، يوزعه ويوزع نظراته على المستمعين، ومن أجل هذا كان ناديه في بيته من خير الأندية وأمتعها وأحفلها، يجمع بين الأزهري الصميم، والمثقف ثقافة مدنية عصرية، وقد يكون فيه الأوربي والأوربية، فإذا هو رحمه الله بلطفه وظرفه ورقته يؤلف بين قلوب الجميع، ويمكن بلباقته من استفادة كل من كل، وتتلاقى عنده آراء الأحرار والمحافظين.
ولهذا الذوق الجميل كان أحب شاعر إليه البهاء زهير ذو الذوق الجميل، والشعر الجميل، أعجبه فيه ظرفه وذوقه ومصريته وعزة نفسه، فذكر أنه كان يتعشقه ويتعشق شعره منذ صباه، ولا زال يحن إليه حتى ألف فيه في كهولته .
نفعه ذوقه فاستفاد منه في كل مرحلة من مراحل حياته إذ كان يتذوق من كل شيء أحسنه، تربى في الأزهر فاستقى منه أحسن ما فيه. وكان بيت أبيه مزار كبراء البلد وعظمائها وعقلائها، يتحدثون فيه في شئون الأمة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، فيصغي لأحاديثهم ويتخير منها أحسنها.
وعن هذا الطريق تعرف بالأستاذ الشيخ محمد عبده صديق أبيه، فتعشقه وتتلمذ له، واتصل به في دروسه وغير دروسه، واتخذه أبا روحيا، يحضر مجالسه، ويزوره حاضرا، ويكتب إليه مسافرا، وينظم الشعر في استقباله عائدا، ويستفيد منه أجل فائدة، ويفي له بعد مماته، فيحاضر فيه، ويترجم له رسالة التوحيد إلى الفرنسية، ويكون مرجع كل باحث عن الشيخ محمد عبده.