تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هو في دروسه يسوي في التقدير بين فلاسفة الشرق وفلاسفة الغرب، ويناقش رينان كما يناقش الشهرستاني، وينقل عن هؤلاء وهؤلاء، ويمعن في فهم النصوص والوصول إلى باطنها مستفيدا كل الفائدة من الطريقة الأزهرية.

وكان في بعض دروسه كما قال: «يتوخى الرجوع إلى النظر العقلي الإسلامي في سذاجته الأولى ويتبع مدارجه في ثنايا عصوره وأسرار تطوره».

ولئن حاول كثير من المستشرقين أن يغلوا في رد أصول الفلسفة الإسلامية إلى العناصر اليونانية، فقد رأى الأستاذ أن يضم إلى الفلسفة الإسلامية علم الكلام وأصول الفقه، ليدلل على ما للمسلمين من ابتكار في الفلسفة بأوسع معانيها.

وهو مؤدب جدا في النقد، فإذا لم يوافق على رأي عالم، فكل ما يفعل أن يذكر الرأي، ويقول إنه لا يراه ويرى غيره أولى، ويورد الحجج على ذلك في أدب جم من غير تجريح، ومن غير أن يمس شعور المنقود أي مساس، فكأن المخالف صديقه الحميم الذي يرعى كل الرعاية عواطفه.

وكم كنت أتمنى أن تظهر شخصيته في التأليف أكثر مما ظهرت، وأن يتحرر من كثرة النقول أكثر مما تحرر؛ فقد كان رحمه الله يحاول ما أمكن ألا يظهر كما تظهر النصوص والنقول، ولعل حرصه التام على الأمانة في النقل وإعطاء كل ذي حق حقه من الفضل، حمله على أن يضحي بنفسه للإشادة بفضل غيره، ولكل مؤلف مزاجه ولكل شيخ طريقته.

كان رحمه الله يدون محاضراته قبل إلقائها قصدا إلى الدقة، ولكنه احتفظ بها لم ينشرها طول مدة دراسته في الجامعة، فلما غادرها مأسوفا عليه إلح عليه طلبته في أن يأذن لهم بنشرها، فأجاب وكتب: «قد كنت أيام اشتغالي بتدريس الفلسفة الإسلامية وتاريخها في الجامعة المصرية معنيا بدرس هذه الموضوعات واستكمال بحثها، ودونت فيها صحفا طويتها على غرها منذ تركت الجامعة في صدر سنة 1939 وصرفتني الشواغل عنها. «واليوم أعود إلى هذه الصحف لأنشرها كما هي، بصورتها يوم كتبت، من غير تنقيح ولا تعديل، وفي صياغتها التعليمية التي تراعي حاجة الطلاب إلى مراجعة النصوص الكثيرة، وحسن التدبر والفهم للأساليب المتفاوتة، وإن لم يخف ذلك على ذوق المطالعين جميعا». «وأرجو أن يكون في هذه الصفحات عون لباحث أو فائدة لقارئ».

وعلى هذا نشر كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» وكتابه عن «الكندي» والفارابي المسمى «فيلسوف العرب والمعلم الثاني» كما نشر كتابه «الإمام الشافعي واضع أصول الفقه» إلخ.

ومن سنة 1939 إلى حين وفاته رحمه الله تنقل بين وزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر، ولو ترك لسجيته وطبيعته ومزاجه ما قبلهما، ولظل أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، ولكنه رحمه الله كان حييا خجولا، يحمله حياؤه وخجله على أن يرعى الظروف ويراعي المجاملات، ويخضع لأدب اللياقة، قبلهما حائرا بين طبيعته ومزاجه، وبين خجله ولباقته، إن وافقته وزارة الأوقاف في أنها ميدان الإحسان ووسيلة لتخفيف الكرب عن الضعفاء والبائسين والمنكوبين، فلم يوافقه ما تقتضيه الوزارة من أفانين السياسة، وشيخه الإمام قد لعن السياسة وكل ما اشتق من السياسة، وإن ناسبته مشيخة الأزهر، لأنها تغذي حنينه لأول معهد قضى فيه صباه وشبابه، فلم تناسبه لأنها مبعث قلق واضطراب وتضارب نزعات واختلاف تيارات، وقد لقي في مثل حاله شيخه الإمام الأمرين حتى خرج منه على مضض، وفارقه على ندم.

وقد شعر رحمه الله بالقلق والاضطراب والحيرة من كل ذلك، فعبر عن حالته أجمل تعبير في آخر ما كتب، إذ نشر تلميذ له كتابا قديما اسمه: «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام» لجلال الدين السيوطي وعرضه على أستاذه ليقدمه، فكان مما قاله رحمه الله في المقدمة: «كنت عثرت في دار الكتب الأزهرية على مجموعة رسائل للسيوطي في ضمنها كتاب «صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام» وكتاب «جهد القريحة في تجريد النصيحة» الذي لخصه السيوطي من كتاب «نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان» لابن تيمية، فوجد في الكتابين نفعا محققا فيما أحاوله، فشرعت يومئذ في تدارسهما مع بعض الطلاب، غير أن ذلك لم يطل، فقد صرفتني الأقدار عن حياة المنطق إلى حياة ليست بمنطقية».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٨٩