فمجمعنا لا بد أن يواجه هذه المشاكل كلها ويجد لها حلولا، مجمعنا له غايات عظمى ومطالب خطيرة، أمامه أن يضع معجما وافيا بحاجات العصر ومطالب العصر على أسلوب يستسيغه العصر - وأمامه عمل معجم تاريخي مطول، وأمامه أن يكون محكمة عليا للإنتاج الأدبي في العالم العربي، يقف على كل ما يصدر في كل عام من شعر ونثر وبحوث أدبية، ويقول فيه كلمته. وأمامه أن يكون حارسا على اللغة ليشرف على ما يكتب في الجرائد، وما يستعمل من ألفاظ وأساليب، ويجيز ما يرى إجازته ويرفض ما يرى رفضه. وأمامه أن يرحم الطلبة في المدارس فييسر لهم سبل تعلم اللغة العربية وآدابها، وينقد البرامج ويضع وسائل الإصلاح. وأمامه أن يستحث الحكومة والأغنياء على التبرع بالمال لتشجيع الأدباء على الإنتاج أمامه كل ذلك وتسألونني: كيف يحقق المجمع ذلك؟! فأقول بكلمة واحدة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان، هي العشق. •••
إن عمر مجمعنا هذا الآن نحو أربعة عشر عاما، فقد صدر المرسوم بإنشائه في 13 ديسمبر سنة 1932، وعين أعضاؤه لأول مرة في 6 أكتوبر سنة 1933، وحدد الغرض منه في المرسوم بالمحافظة على سلامة اللغة العربية وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر ، وذلك بأن يحدد في معاجم أو تفاسير خاصة أو بغير ذلك من الطرق ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب، وأن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثا دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها وأن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية، وأن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة العربية.
ومن ذلك الحين بدأ يعمل المجمع، فكان أعضاؤه يتداولون البحوث التي تمس إليها الحاجة، فيبحث عضو في الاشتقاق ومداه ومتى يكون قياسيا ومتي يكون سماعيا، ويبحث آخر في تعريب الأساليب، وثالث في تعريب الألفاظ وطرقه والألفاظ المولدة وموقف المجمع منها، وهكذا. ويتناقش الأعضاء ويتخذون في ذلك قرارا.
وقد بدءوا في تقسيم الأعضاء إلى لجان؛ فلجنة للرياضيات ولجنة للعلوم الطبيعية والكيمياوية، ولجنة للعلوم الاجتماعية والفلسفية إلخ. وكانت كل لجنة تجتمع وتتناقش في المصطلحات الخاصة وتعرض ما تقره على المجمع ليرى رأيه فيها، وبذلك أقر المجمع ألوف الكلمات في المصطلحات العلمية المختلفة، وفي بعض دوارات المجمع بحث في تيسير قواعد النحو وتيسير الكتابة العربية. وعنى المجمع بإنشاء مجلة سنوية ينشر فيها بحوثه وقراراته وسائر أعماله، كما كان ينشر مجموعة بمحاضر جلساته، ولكنها مع الأسف، وقفت في سني الحرب، ثم أخذ المجمع يعمل على إصدارها من جديد.
والمجمع الآن يرجو أن يبدأ قريبا في الشروع في أهم أعماله، وهو وضع معجم تاريخي مطول تذكر فيه الكلمة ومن أي لغة أخذت وفي أي معنى استعملت في العصر الجاهلي، ثم ما دخل على هذا المعنى من تطور إلى عصرنا الحاضر؛ وهذا ولا شك عمل ضخم، ولكن أدواته متوافرة عندنا بأكثر مما كانت متوافرة أيام الفيروزابادي وابن منظور، بفضل تقدم العلم باللغات الشرقية القديمة من سريانية وعبرية وهيروغليفية وفهلوية وحبشية وسبئية إلخ. فما كان يحدسه الأقدمون من اللغويين حدسا أصبح اليوم علما. ثم إن الأصول العربية من كتب لغة وأدب وتاريخ وما إلى ذلك مما يمكن الرجوع إليه في وضع هذا المعجم أصبحت أقرب منالا، لتقدم الطبع وسهولة الاتصال. ومع هذا وذاك فالعمل شاق صعب لا يمكن التغلب عليه إلا بالجهد الطويل وبالدواء الذي وصفته من قبل وهو العشق. وما علينا إلا البدء والاستمرار، وعلى خلفنا أن يكمل بدءنا.
ثم هو يطمح أيضا أن يحقق مثله في أن يكون محكمة عليا للغة والأدب، فتشرف لجانه على النتاج الأدبي في العالم العربي من نظم ونثر وتأليف، فيتوج منها ما يستحق التتويج، ويعلن تقدير ما يستحق التقدير، ويكافئ بالمال ما يرى المكافأة عليه، ويشرف على المجلات والجرائد والكتب، ويعلن قراراته فيما يستجد من ألفاظ وأساليب، فيقر الصواب ويصحح الخطأ فيشعر الجمهور بإشرافه.