تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن هذا العشق بعيدا عنا نحن الشرقيين؛ فقد قامت منا أفراد بما تقوم به المجامع، ونجحوا لتوافر هذا العشق عندهم، فالأزهري اللغوي صاحب التهذيب الذي ضرب في الصحراء يأخذ اللغة من أهلها ويقع في الأسر ويتحمل صنوف العذاب من أجل غرضه لا شك عاشق، وابن منظور الذي عكف على كتابة عشرين مجلدا بعد تحرير كل مادة وكل كلمة من غير أي نظرة إلى ربح هو كذلك عاشق، وأمثالهما كثير، وكنت أقرأ أخيرا للكندي فصلا في شروط الفيلسوف فجعل من أهم شروطه «عشق الحقيقة». •••

ويذكر المؤرخون أن أول مجمع بهذا المعنى إنما كان في مصر، شهدته الإسكندرية في أول القرن الثالث قبل الميلاد على يد بطليموس الأول، والتقى فيه جهابذة العلم من اليونان والشرقيين يرقون ما وصل إليه العلم في أيامهم، وكان ذلك نواة لمدرسة الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية. ولو أنا ورثنا هذا المجمع من هذا التاريخ وطورناه مع الزمن لكان لنا الآن خير مجمع وخير لغة وخير علم، ولكن أعاصير السياسة قطعت حبل ما بيننا وبينه فورثته أوربا أولا، ثم أخيرا جدا نقلناه من أوروبا إلينا.

وليس من غرضي أن أعرض هنا صورة لتاريخ هذه المجامع الأوربية وتطورتها، ولكني أريد أن أعرض عرضا سريعا لبعض ما قامت به بعض المجامع من أعمال، وأقتصر على الناحية اللغوية والأدبية تاركا ما عملته المجامع العلمية والفنية لأربابها.

فمثلا كان المجمع الفرنسي في أيامه الأولى يجري على سنة اجتماعية يوما كل أسبوع، وفي كل اجتماع له يقرأ أحد أعضائه موضوعا لغويا أو أدبيا أعده. فإذا أتم قراءته نقده الحاضرون وأبدوا رأيهم فيه، فكان هذا نواة لأعمال المجمع، وتطور هذا إلى إعداد بحوث لغوية وأدبية دورية يلقيها كل عضو مرة، ثم تبع هذا أن كانوا ينقدون التآليف الأدبية العظيمة التي نالت حظوة عند الجمهور، كما فعلوا في تآليف «كورني». ولكن كان من تقاليدهم ألا ينقدوا إلا إذا طلب منهم المؤلف ذلك، ثم توجت أعمال المجمع بعمل معجم واسع كبير للغة الفرنسية.

فلما أعيد تكوينه من جديد في آخر القرن الثامن عشر كان مما دخل عليه من تحسين نمو ماليته بما قدم إليه من هبات يصرفها في تشجيع الإنتاج الأدبي.

ومهما وجه إليه من نقد في اختيار أعضائه، أو في جموده ورجعيته، أو قلة إنتاجه، أو نحو ذلك فإنه يعد المحكمة العليا للأدب، الحارس للغة من التبذل.

وحددت ألمانيا وإيطاليا الغرض من مجامعها بتنقية اللغة وتصفيتها وترقيتها، وكذلك حددت إسبانيا غرضها، وعمل مجمعها على اختيار الألفاظ والأساليب المهذبة التي يستعملها خاصة الأدباء، واستبعاد الألفاظ والأساليب الحوشية وتدوين ذلك في معجم. •••

كان عمل مجمعنا المصري أشق وأصعب وأعقد من المجامع الأوربية، لأنه تأخر في التاريخ كثيرا، ولم ينشأ إلا حديثا. على حين أن المجامع الأخرى لها ثلاثة قرون أو أكثر، ولأن الصلة بيننا وبين آخر مجهود في اللغة عمله الفيروزابادي وابن منظور قد انقطعت ولم تتقدم أي خطوة، وفتحنا أعيننا فوجدنا أنفسنا أمام مدنية حديثة تزخر بالآلات والمخترعات والمصطلحات في كل علم وفن، وكل لغة حية يجب أن تتكمل بها كلها، ولاقينا في ذلك أكثر مما لاقى العرب في العصر العباسي حين واجهوا المدنية الفارسية والرومانية، فالمدنية الحديثة أغنى وأوسع، وأجدادنا قابلوا المدنيتين الفارسية والرومانية وهم فاتحون يشعرون بالعزة، والعزة تدعو إلى الجرأة، ونحن نقابل المدنية الحديثة بشيء من مركب النقص، وهو يدعو إلى الانكماش والخوف، وأجدادنا كانوا يشعرون أن اللغة ملكهم، ونحن نشعر أنا ملك للغة، فيبطؤ سيرنا ويقل إنتاجنا. ثم إن اللغة العربية بطبيعتها صعبة شاقة في قواعدها، في إعرابها، في كثرة مترادفاتها، في سعتها سعة تامة فيما تتطلبه معيشة الجزيرة العربية وفيما لحقها من المدنية العباسية، ضيقة أمام المدنية الحديثة ومصطلحاتها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٨٥