فزلزل هذا من إيمانهم، وبدلا من رؤية الله في الخلق وتطوره قصروا النظر على الخلق ونشوئه وارتقائه، وبدأ رجال الدين يدافعون عن موقفهم بأن قصة آدم وحواء الواردة في الكتاب المقدس لا يصح أن تؤخذ على حرفيتها، وإنما هي رمز لنضج النوع الإنساني، ثم اختلفوا في دلالة هذا الرمز.
وعاصر حركة دارون ومدرسته حركة علمية أخرى اتجهت إلى وضع الكتاب المقدس موضع النقد، وتسليط أدوات البحث العلمي عليه، كما سلطت على كل الوثائق التاريخية، فكما بحثوا في الإلياذة ووصلوا في بحثهم إلى أنها ليست من عمل هوميروس وحده، وإنما هي من عمل أناس مختلفين في عصور مختلفة، كذلك بحثوا الكتاب المقدس، وأداهم البحث إلى أنه وضع في عصور متوالية في بيئات مختلفة، ونقدوا ما جاء فيه من تحديد السنين التاريخية، وساقهم البحث إلى أن بعض ما نسب لموسى ليس لموسى، وبعض ما نسب لداود ليس لداود، فزاد ذلك الناس زلزلة وشكا.
ثم كان نشوء علم مقارنة الأديان، فبحثوا في أديان العالم ووازنوا بين تعاليمها، ووضعوا أسسا لما يعدونه منها راقيا وما ليس راقيا، وعرضوا لمسائل خطيرة مثل من أين جاءت فكرة التثليث، ومن أين أتت سلطة الكنيسة، فكانت نتائج هذا البحث سببا آخر من أسباب زلزلة العقيدة.
ثم جاء علم النفس يحلل الشعور الإنساني، ومنه الشعور الديني، ويشرحه كما يشرح الأطباء الأجسام، ويبحثون في منشأ فكرة الله، ويقولون إنها فكرة خلقها الخوف، فزادوا في الطنبور نغمة.
وكان الدين يعلي من شأن الإنسان لصلته بربه ولما له من روحانية ليست لغيره، فجاء علماء النشوء والارتقاء وعلماء الإنسان وعلماء الفلك ونحوهم يحقرون من شأن الإنسان ويجعلونه دودة كبيرة، فسلبوا الإنسان عظمته واعتزازه بروحانيته.
وقارن هذا دعوة الدعاة إلى تفاهة الحياة، واختطاف ما أمكن من اللذائذ، والتحرر من القيود القديمة، سواء كانت قيودا ضارة أو نافعة، وما دام هناك شك في الآخرة فليكن الهناء في الدنيا بقدر المستطاع، وقالوا حديثا ما قال طرفة قديما: «فدعني أبادرها بما ملكت يدي».
هذه هي أهم الأسباب في موجة الشك والإلحاد في الغرب، وقد قال قوم من المثقفين في الشرق: إذا كان الغرب قد تقدم بالإلحاد أو على الأقل تقدم مع الإلحاد، فلنلحد لنتقدم أو نلحد ونتقدم، وإذا كانوا ملحدين وهم الحاكمون فلنقلدهم لعلنا نساويهم ونتخلص من حكمهم. وسافرت الأفكار والآراء والكتب من الغرب إلى الشرق، فعملت عملها، بذرت بذرتها، وتركت آثارها، ورأى بعضهم أن يأخذ المدنية الحديثة بحذافيرها ومنها الإشاذة بالبحث العلمي، وإضعاف الشعور الديني، وعملت الدعوة إلى انتهاب اللذائذ عملها أيضا في الشرق فكانت لها سطوتها.
وكان من ذلك كله أن عمت الموجة الغرب والشرق، وخاصة بين طبقات المثقفين وأنصاف المثقفين. •••
ولكن يظهر أن هذه الموجة بدأت تنكسر في الغرب فتنكسر في الشرق، وسبب ميلها إلى الانكسار أن الناس نظروا فرأوا أن المادة لما بلغت أوجها لم تنتج للعالم سعادة بل شقاء وخرابا، وأن الضمير العقلي لم يستطع أن يحل في إراحة النفس وطمأنينتها محل الضمير الديني، وأن هذا النقد المر إذا وجه إلى تفاصيل الدين وسلطة رجال الدين، فإنه لم يمس جوهر الدين وإن مسه فلم يستطعه، إنما كان يستطيعه لو أنه أمكنه بعلمه أن يفسر جميع ظواهر الكون تفسيرا محكما؛ أما وهو لم يستطع أن يفسر إلا الظواهر فإذا وصل إلى الصميم عجز كالحياة وهبتها وتصرفها، ومنشأ وحدة العالم وقوانينه ونظامه وجماله، فليس إذن له الحق في الإلحاد والغرور بالحديث من الأفكار، فالدين من ناحية عزاء للنفس الإنسانية وسند، وفوق ذلك هو حقيقة لا بد منها لإمكان تفسير العالم.
حتى العلم نفسه بدأ يتراجع في بعض نظرياته أو يؤمن بقصورها؛ فنظرية النشوء والارتقاء قد تفسر التطور, ولكن لا تفسر الحياة في الخلية الأولى، حتى قال قائلهم: إن العالم على اختلاف نباته وحيوانه وتدرجه يدل على أن كل نوع منه يؤدي عملا ويحمل رسالة، وأنها كلها تتساند وتترابط، وتهدف إلى غرض حتى لا يستطيع عقلك مهما تشبغ من العلم إلا أن يؤمن بأن للعالم مؤلفا واحدا قويا حكيما عليما.