تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما أسعد الإنسان يشعر بأن يد الله العظيم تعمل في الكون أبدا، وتمده بالحياة ما عاش، وتعينه على الخير إن أراد، وأن الله العظيم متصل بقلبه، وحاضر عنده، ومطلع على أدق ما في نفسه، وأنه بصفاته العظيمة جدير بالحب والتقدير والحمد.

هذه العقيدة الروحانية تحيي الدنيا وتحيي الآخرة، وتبعث على العمل لا على الخمول، وتصبغ العمل في الدنيا صبغة جميلة رحيمة خيرة؛ هي التي تحول الجفاف إلى رحمة، وتحول القبح إلى جمال. إن المادي ينظر إلى الوردة فيقدرها بثمنها القليل في السوق، والروحي ينظر إليها فيرى جمالها لا يقدر بثمن. إن المادي بارد العواطف يقدر الناس بقدر ما ينال منهم، وهم ليسوا إلا ضيعة تستغل، وكلما كان الشخص مليئا بالمال يمتص، وبالدم يستنزف، كان أحب إليه لماله لا لشخصه، والروحاني يرى في كل إنسان أخا يعان ما أمكن، ويؤخذ بيده إذا عثر، ويرحم إذا كبا، ويمد بالسعادة إذا شقي.

لو مست الروحانية قردا لأحالته إنسانا. ولو مست شيطانا رجيما لجعلته ملكا كريما. ولو مست جبارا عنيدا لجعلت منه أبا رحيما. ولو مست قلوب الساسة لعم السلام وبطلت الحروب، ولم يكن مستعمر ومستعمر، ومستغل ومستغل، وعزيز وذليل، ولكن إخوة متعاونون شركاء فيما لديهم رحماء فيما بينهم.

ليس العالم الآن محتاجا إلى تنظيم أسواق التجارة، ولا إلى تنظيم وسائل الدفاع والهجوم، ولا إلى ضبط السلطة على القنابل الذرية والمخترعات الحديثة المبيدة، ولا إلى تنظيم توزيع الأسلاب ووضع شروط الصلح على أساس الغنم والغرم؛ فكل هذا هو منطق الساسة القدماء، وهو المنطق الذي ساد عقب الحرب العالمية الأولى، فكان نتيجة الحرب العالمية الثانية؛ فإن استمر هذا المنطق بعينه سائدا فستكون النتيجة حربا ثالثة لا محالة، ضرورة أن المقدمات الواحدة تنتج نتائج واحدة. وإنما العالم يحتاج إلى روحانية وليهزأ بذلك من يهزأ روحانية تبيد الطمع بين الأفراد والأمم، وتقضي على شح الأنفس وحب السيطرة والانتقام ونزعات الجنس والوطنية والطبقات، روحانية تنشر بين الشعوب فترى أن زعماءها السياسيين الماديين غير صالحين للحكم فتنحيهم، وتنصب مكانهم من جمعوا بين المادة والروح، قد اصطبغت نفوسهم بحب الخير للإنسانية وحب العدل في العالم وحب الإخاء بين الأمم.

العالم محتاج إلى ريح عاصف تجتاج الأساليب القديمة في حب السيطرة والغلبة والسيادة القومية والنعرة الوطنية، ووضع الساسة أمتهم في موضع الله ومن عداهم في موضع العبيد، وتجتاح النزعات إلى الإفراط في اللذائذ الحادة غير المشروعة وعدها مطلب الحياة.

العالم لا يحتاج اليوم إلى إصلاح المادة، ولكن إلى إصلاح الروح.

قد يرى قوم أن هذا حلم. ولكنه حلم لا بد منه وإلا فالعالم في شقاء دائم.

5

ينتاب العالم موجات بين إلحاد وإيمان، وقد كانت موجة الإلحاد طاغية عاتية في أوربا في القرن التاسع عشر، ففشا بين طبقة المثقفين عدم الاكتراث بالدين، وإهماله في أبحاثهم وأعمالهم، أو مهاجمته بالقول والعمل، وبسط ألسنتهم في الكنائس وأعمالها وشعائرها، وآخرون وقفوا موقف الشك فلا إيمان ولا إلحاد. ومنهم من يؤدي شعائر الدين لا عن روح واعتقاد، ولكنها جزء من برامج الحياة، فكما أن هناك زمنا يقضى في لعب الكرة ومشاهدة السينما ونحو ذلك، فهناك زمن عابر يقضى في الكنيسة، وهذا هو كل الدين.

وكان كل يوم يمر تزيد موجة الإلحاد والشك قوة واتساعا، وأسست الأخلاق والتربية على قواعد العقل لا على أساس الدين.

وعمل على طغيان هذه الموجة وقوتها واتساعها عوامل كثيرة أهمها: انتشار نظرية «دارون» في تسلسل الأنواع ونشوئها وارتقائها من خلية نباتية صغيرة إلى شجرة كبيرة، ومن حشرة حقيرة التكوين إلى أن وصلت إلى الإنسان بالبيئة والانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح وما إلى ذلك، فأولع الناس بهذا النظرية واعتنقوها، وبنوا عليها تفكيرهم، وأنشأوا عليها علومهم، ورأوا أن هذا الرأي المؤيد بالبرهان لا يتفق مع حرفية الكتاب المقدس فيما حكى من خلق آدم وحواء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٧٨