وهذه الدعوى بأن أساس الأديان الخوف قد أخذ بعض علماء النفس يشك فيها؛ فالخوف قد يحرم على الإنسان بعض الأعمال، وقد يدفع إلى الاضطهاد والانتقام، وقد يحمل على الكره والحرب؛ ولكن هل هذا باعث الدين؟ إن باعث الدين الراقي يدعو إلى إجلال إله خلق العالم ودبره، إله قوي تستمد منه القوة، عظيم تستمد منه العظمة، روحي تستمد منه الروح، فيه كل صفات الكمال هو للعالم كإرادتنا فينا، إن الدين الراقي يدعو إلى التسامح لا التعصب، والعفو لا الانتقام، والحب لا الكره، وقد يصل بعض الناس في الدين إلى حب الله كحبهم أنفسهم أو أشد حبا، ويعجبني في ذلك قول الرسول
صلى الله عليه وسلم
في وصف صهيب: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه». فهل يمكن تفسير كل هذه الظواهر النفسية بدافع الخوف كما يقول بعض علماء النفس؟
ثم إن الدين دائما كان من أهم البواعث على الفنون الجميلة، فالقرآن أعجز بفنه، والدين كان مبعث الفنون الجميلة في فن عمارة المعابد وفي الموسيقى والتصوير، فهل يتفق هذا ودعوى أن الدين خلقه الخوف، والخوف لا ينتج فنا؟ •••
إن الدين الحق يوسع النظر فلا يحده بقبيلة ولا طائفة ولا جنس ولا أمة، لأنه يدعو إلى أن الله رب العالمين، وهو وحده الحاكم والمحكومون متساوون أمامه، كما يدعو إلى سعة العواطف فلا عصبية ولا انتقام، ولكن أخوة وتعاون ورحمة.
الدين الحق يحيي الضمير، ويدعو للعدل بين الجميع، بين من تحب ومن تكره، ومن هو من جنسك ولونك ومن ليس من جنسك ولونك، ويهدم الأنانية الفردية والأنانية القومية ليحل محلها عاطفة الأخوة العالمية. إن أهم وظيفة للدين الحق أنه يحول العاطفة من أنانية شخصية إلى عاطفة إلهية تتجه إلى تحقيق الخير العام. إذا أراد المصلحون بث الشعور بوحدة الجمعية البشرية وتعاونها وقطع دابر أسباب الخصومة والانتقام فلن يجدوا أساسا خيرا من الدين الحق الذي يوحد العلاقة بين الإنسان والله الواحد، ويوحد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان الذي هو من خلق إلهه.
إن هذا الغرض يدعو إلى تغيير برامج التربية في العالم من أساسها ووضعها على أساس آخر هو حب الله خالق الناس أجمعين، وحب الإنسان للإنسان من غير تفريق بين جنس وجنس، وأمة وأمة، ولغة ولغة، ودين ودين، وهذا وحده هو الذي ينقص العالم اليوم.
إن العالم محتاج إلى مصالحة بين العلم والدين، فللعلم أن يبحث في المادة كما يشاء، ويستكشف من قوانينها كما استطاع، ولكنه لا يتجاوز دائرته فينكر ما وراء مادته، وللدين أن يؤمن بالروحانية، وعالم الغيب وما إليه، فهذه لا تتنافى مع العقل بل تكمله، ولكن ليترك للعلماء بحوثهم في مادتهم، فما جاء الدين لشرح نظريات العلم، وليستفد منها بنظرته الروحية إليها، فهذه القوانين التي يستكشفها العلماء هي القوانين التي بثها الله في كونه، وما جاء العلم ليبحث فيما لا يستطيع من كشف ما وراء المادة، إن العالم محتاج إلى تديين العقل وتعقيل الدين.
إن تم هذا ساد العالم عقل سليم يرقيه العلم، وعاطفة نبيلة يرقيها الدين. إن تم هذا فلا حرب، لأن العاطفة النبيلة تمنعها، والأخوة الإنسانية تحرمها، والعقل لا يستسيغها.
وإن تم هذا فلا خرافات حول الدين، لأنها لا يرتضيها العقل الصحيح ولا الدين الصحيح.
وإن تم هذا فلا عاطفة وطنية ولكن عاطفة إنسانية.
وإن تم هذا فلا صهيونية، لأنها مبعث فكر ضيق وعاطفة ضيقة وتحريك عقرب الساعة إلى الوراء ، ولا حروبا صليبية ولا غير صليبية، لأن مبعثها ضيق العقل في تصور الدين، وحماسة جاهلة في خدمة الدين.
وعلى الجملة فلو تم هذا لزالت كل العوائق التي تعوق الإنسانية، ولتقدم العالم في عام ما لم يتقدمه في قرون.
فهل يتمخض القرن العشرون عن هذه الموجة العالية يكتسح بها الموجة المنحطة التي خلقها أخوه القرن التاسع عشر، أو لا يزال ذلك أملا بعيدا؟