تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل من هذا القبيل عالم ينفق كل وقته في مسألة يحققها أو نظرية يجربها، وحياته كلها محدودة بالأفق الضيق الذي يقتصر على نظرياته وتجاربه وأقوال العلماء فيها وترجيح بعض الأقوال وتوهين بعضها وما إلى ذلك.

هذا نموذج من الناس تشترك أنواعه في أنها كلها تحيا حياة لا روح فيها.

وهناك نموذج آخر يحيا حياة ليس لها صلة بالناس إلا أن يطعموه أو يسقوه، حياته كلها متصلة بالسماء ولا شأن له بالأرض، يعيش عالة على الناس ولروحه فقط؛ كل حظ الناس منه أن يعبد ويتأمل، يعتزل الناس في دير أو تكية أو يجعل من بيته ديرا أو تكية، ليس من شأنه سعد الناس أو شقوا ما دام يسعد هو بلذته الروحية؛ إنه أناني كالمالي الشره، إنه خلق في الدنيا ويأبى أن يستعجل الآخرة، إنه أكل مال الناس ولم يدفع ثمنه، إنه في غذاء جسمه قد استدان ولم يف بدينه.

أما من تاجروا بالروحانية فهم أسوأ حالا ممن أمعنوا في تجارة السلع وقضوا فيها كل حياتهم، لأنهم تاجروا في غير متجر، وزيفوا على الناس فباعوا ما لا يباع، إنهم حواة يضللون الناس بألاعيبهم، ويضحكون على أذقانهم؛ هؤلاء ليسوا من الروحانية في شيء. إنهم باعة أسهم لا يملكونها. إنهم يبيعون الزجاج باسم الماس، والنحاس المموه باسم الذهب، وأصناف هؤلاء كثيرون.

ليس يعجبني هؤلاء ولا هؤلاء. إنما يعجبني من مزج مادة بروح ومد بسبب إلى الأرض وبسبب إلى السماء. وإذا كان الإنسان جسما وروحا فلم لا يغذيهما جميعا، ويعيش بهما جميعا؟ إن لم يعجبني ذو الوجهين فإنه يعجبني ذو الجانبين، جانب الروح وجانب المادة. قد يكون هذا رجل أعمال دقيقا في عمله منظما لإدارته يسير في عمله على آخر طراز وصلت إليه المدنية، من دفاتر منظمة ومواعيد محددة، وهو مع ذلك له نزعة روحية لطيفة، وله مثل أعلى في الحياة، عنده الشعور بالله وعظمته، وأن الدنيا ليست كل شيء، وأن خير الناس أنفعهم للناس؛ هذه الروحانية تلطف من حدة ماديته، فهو لا يعيش لنفسه فقط أو لأسرته فقط، ولكن يعيش أيضا للناس كما أمر الله؛ روحانية هذا الرجل بجانب ماديته تسبغ على قلبه الرحمة للناس وحب المعونة لهم، وإيصال الخير إليهم؛ ومثل هؤلاء الناس قليلون في المجتمع، تعرفهم بسيماهم، قد خلعت عليهم الروحانية نوعا لطيفا من الرقة والوضاءة والدعة مع الجد في أعمال الحياة الدنيوية؛ ولو كثر مثل هؤلاء لتغير وجه العالم ولساده السلام.

الفرق بين نابغة له روح ونابغة لا روح له كالفرق بين عمر بن الخطاب وتيمورلنك.

ليست الحياة أن تأكل وتشرب وتتزوج، بل إن للحياة غرضا أسمى. الحياة رسالة، وليست الحياة عملا ماديا متواصلا، تصبح فتعمل وتعود إلى بيتك فتأكل، ثم تعود فتعمل، ثم تعود إلى بيتك فتأكل ثم تنام؛ فهذا شأن الآلة لا شأن الإنسان، إنها تدور وتغذى وتهدأ، وهذا في الآلة طبيعي، ولكنه في الإنسان ليس طبيعيا؛ لأنه منح ملكات وراء هذا العمل الآلي.

بل ليست الحياة أيضا عملا عقليا بحتا، وجهدا فكريا فقط. فالعقل وحده لا يفسر الحياة ولا يحل مشاكلها، والعقل وحده يجعل الحياة جافة مخيفة، والاعتماد على العقل وحده كثيرا ما أدى إلى الشك، والشك عذاب وفراغ وكثيرا ما يصل العقل إلى درجة النبوغ الفائق مع انحلال في الخلق وضيع، كما كان الشأن في نابليون وبيكون وبيرون وأمثالهم؛ وحتى مع اجتماع العقل والخلق المؤسس على العقل، فإن العقل والخلق إذ ذاك يكونان كالتمثال الجميل ينقصه الروح. إن الاعتقاد بأن للعالم إلها يسيطر على العالم وينظمه، وأن لكل إنسان بهذا الإله العظيم صلة، وأنه سائلة عن عمله، وأنه سيزن أعماله بميزان دقيق، وأنه يمد الروح التي تتصل به بروح منه كل هذا حق، وكل هذا يبعث القوة في الإنسان، وهو خير دعامة للنفس تستند عليها في الحياة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٧٧