تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليونانيون ألهوا قوى العالم، والفرس اختصروا الآلهة إلى اثنين: إله الخير وإله الشر، وجعلوهما يتنازعان، والعرب ملأوا الكعبة أصناما، فلما أتى الإسلام وحطمها ودعا إلى الوحدانية الخالصة وجعل لا إله إلا الله شعارها في كل مناسبة: في الأذان، في الصلاة، في كل عارض، لم تلبث بعض النفوس أن تسربت إليها الوثنية في أشكال خفية؛ بدأ بعض المسلمين يعظمون شجرة بيعة الرضوان، فقطعها عمر، وبدأ بعضهم يعظم أهل بيت الرسول تعظيما يقرب من العبادة، فنهاهم علي، ثم سال سيل الوثنية على مر الأيام، وامتلأ العالم الإسلامي بأقطاب يتصرفون في الكون تصرف الله، وأقيمت الأضرحة تقدم إليها النذور ويستشفع بها ويتقرب إليها كأنها آلهة. وانقلبت الخلافة إلى ملك عضوض؛ فالحكام كانوا يأمرون ولا راد لأمرهم، ويتصرفون ولا معقب لحكمهم، وذهب معنى أخوة الحاكم للمحكوم، وحل محله نوع من الألوهية، واستعبد الناس من ناحية الدين، واستعبدوا من ناحية الدنيا، وذهب معنى «لا إله إلا الله» إلا من قلوب الخاصة.

ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون . •••

لكل زمن وثينة، ولكل حضارة أصنامها، حتى هؤلاء المثقفون المتعلمون العاقلون الذين يهزءون بعبدة الأحجار وعبدة النجوم قد يحجبون هم أنفسهم عن الوحدانية بضروب دقيقة من ضروب الوثنية.

إن المعبود الأول اليوم في المدنية الحديثة هي الآلات الصناعية، لها تتجه الأنظار، وإليها ترفع أكف الدعاء، وإياها يعبد أرباب رؤوس الأموال، ولها يستعبد العمال، ومنها تشتق المبادئ السياسة والتعاليم الأخلاقية، وبقوتها تستعبد الأمم وتثار الحروب، وتطعن في الصميم الأخوة الإنسانية.

إن المذاهب السياسية من ديمقراطية وفاشية واشتراكية وشيوعية مؤسسة عليها وناظرة إليها، والنظريات الاقتصادية مشتقة منها ومتفرعة عنها.

والإنسان يشقى بهذه الآلات لتأليهها؛ وكانت تكون نعمة عظمى ومصدر سعادة كبرى لو نظر إليها في ضوء وحدانية الله بشقي معنييها من تأليه الله وحده وما تستلزمه من أخوة الإنسانية.

وبعد فما أكثر من يقول: «لا إله إلا الله» وما أقل من يعتنقها.

4

الناس يختلفون في أرواحهم اختلافهم في ألسنتهم وألوانهم وأجسامهم، وهم لهذا الاختلاف في الأرواح معرض لا مثيل له بين المعارض، منه يستمد المصور لوحته، والشاعر في الوصف قصيدته، والأديب المصور صورته، والقصاص قصته.

فمنهم من بردت روحه فكانت ثلجا، وضمرت حتى كانت ذرة، يقضى وقته بين مال يجمعه ، ومال ينفقه، ومال يدخره، وموازنة بين وجوه الاستغلال أيها أكسب، ومحاسبة دقيقة لكل من يتولى له عملا، ذهنه مستغرق بذلك من حين يصحو إلى حين ينام، حتى إن حلم فإنما يحلم في سلعة ربحت أو خسرت، وتجارة راجت أو بارت؛ فإن كانت له لذة في الحياة وراء ذلك فلذة عابرة من مأكل ومشرب يستمتع بهما بطرف من ذهنه، وسائره مشغول بماله وتدبيره.

أو موظف ينفق حياته في مذكرة يكتبها، أو مسألة يحضرها أو ورق يمضيه، أو رئيس يرضيه، ولا تفكير له وراء ذلك إلا في أمور الحياة العادية ومطالب المعيشة اليومية.

أو فقير همه كله في تحصيل رزقه وتدبير العيش له ولأسرته، يكدح في ذلك نهاره وجزءا من ليله، لا يفكر إلا في إعداد قوت لمعدات تنتظره وأفواه تلتهمه.

كل أولئك حرموا الروحانية، غنيهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم، تنظر إليهم بعين البصيرة فترى ظلاما موحشا وجفافا مرعبا، قد فقدوا نفوسهم وإن كسبوا أي شيء آخر، هم آلة من جنس الآلات الحاسبة تجمع وتطرح وتضرب وتقسم، ولا شيء غير ذلك. قد ينجح بعضهم في الحياة فيكون من ذوي الثراء الواسع والمناظر الأنيقة والألقاب الفخمة والمظاهر الضخمة، ولكن هل هذا نجاح؟ فأين إذن نفسه، وأين روحه؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٧٦