تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

هذه العقيدة بالوحدانية تكسب معتنقها قوة وعزة، فالله وحده هو القوي وهو العزيز، ليس الناس كلهم إلا خلقه، متساوين في الخضوع لقوته، والانقياد لإرادته، وهو وحده المعبود، وهو وحده المستعان:

إياك نعبد وإياك نستعين .

معتنق الوحدانية ليس عبدا لأحد إلا الله، فهو في العالم مستقل حر، لأن العالم ليس له إلا سيد واحد وهو الله، وأما باقي الناس فإخوة متساوون، فعقيدة الوحدانية كما تتضمن سيادة الله وحده تتضمن أيضا أخوة الإنسان للإنسان، فلا سيادة طبقات، ولا سيادة أجناس، ولا استعباد ملوك، ولا استبداد طغاة، ولا اعتزاز بنسب أو مال أو جاه أو قوة، ولا خضوع لمن يريد أن يتصف بصفات الله زورا، من بسط سلطان وفرض حماية ومحاولة استعباد إن حاول أحد ذلك قال المؤمن: «لا إله إلا الله» مدركا معناها، رافضا ما عداها.

عقيدة الوحدانية تشعر الإنسان بالنبل والسمو، فخضوعه لله وحده يشعره بالتحرر من سيادة أحد عليه، سواء في ذلك سيادة الناس أو سيادة قوى الطبيعة، فليس النيل معبودا تقدم إليه الضحايا، ولا العواصف والنجوم والشمس والقمر مما يخشى بأسها، ويتقرب إليها بالقرابين، لأنها مخلوقة لله مثله، بل كل قوى العالم يصح أن يستخدمها الإنسان لخيره، لأن الله منحه عقلا يستطيع أن يفهم به قوانينها فيسخرها لمنفعته.

وكذلك لا تستعبده قوة الناس لأن الناس ليسوا إلا عبيدا مثله لله؛ فليس لأمة مهما كانت أن تستعبده أو تستعبد أمته، وهو لا يخضع لسيادتها لأنه لا يخضع إلا لسيادة الله، ولا يستعبده حاكم ولا سلطان ولا أي مخلوق في العالم، لأنه يعتقد أن «لا إله إلا الله»، كل ما يجب عليه نحو حاكمه أو سلطانه، أن يطيع قوانين العدل، لأن الله أمر بالعدل وبإطاعة العدل، ولا يخضع للظلم لأن الله نهى عن الظلم أيا كان، وهو لا يخضع لجبروت من أي صنف لأنه ليس لأحد حق الجبروت، ولكن له حق الأخوة.

إن الذي يريد أن يستعبدنا يريد أن يكون إلها و«لا إله إلا الله», والذي يريد أن يكون سيدا طاغيا يريد أن يكون إلها، و«لا إله إلا الله »، والحاكم الذي يريد أن يذلنا يريد أن يكون إلها و«لا إله إلا الله» إنا لا نقبل من إنسان أيا كان ولا من أمة أيا كانت إلا أن يكون أخا أو يكونوا إخوة. فأما السيادة والاستعباد فلا، لأنه لا إله إلا الله. إنا لا نقبل أن نشرك مع الله أحدا غيره مهما كانت منزلته ولو كان نبيا مرسلا، فلا نتقرب بالنذور إلى الأولياء، ولا نمنحهم شيئا من القداسة، ولا نعظم الحكام تعظيم عبادة، ولا نخضع لهم خضوع ذلة، إنما نطيع فيهم العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن هذا وحده هو الذي يتفق ولا إله إلا الله. ليس يستعبدنا المال ولا الجاه ولا القوة، لأنها أعراض زائلة وليست من الألوهية في شيء، ولا إله إلا الله.

إن شئت فاستعرض تاريخ المسلمين تجد عزهم جميعا أو عزة أمة من أممهم مقرونة بالتمكن من عقيدة الوحدانية فيهم، وما توحيه من نبل شعور، فإذا زالت عقيدة الوحدانية زالت معها عقيدة الأخوة الإنسانية، وجاء الطغيان من ناحية والعبودية من ناحية، فزالت العزة، وفشا الذل والمسكنة، وأصبحت «لا إله إلا الله» ليست عقيدة تعتقد ولكن لفظا يؤدى، غناء يغنى، وقولا يسير مع الريح. إن الديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية بمعانيها الصحيحة لها البقاء والتقدم، لأنها داعية إلى الأخوة الإنسانية وهي من مستلزمات «لا إله إلا الله». •••

والوحدانية الخالصة مع بساطتها ومعقوليتها من أصعب الأمور على النفوس، تحتاج في اعتناقها إلى نوع من السمو، كما تحتاج إلى حياطة تامة حتى لا تشوبها شائبة من وثنية، لأن الناس سرعان ما ينزلقون إلى الشرك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٧٥