فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون * يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون * ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون * ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين * ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون * ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون * وله من في السماوات والأرض كل له قانتون * وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم .
الحق أن العالم بستان رائع لا ينقصه إلا العين التي تبصره. •••
هذا العالم بروحانيته العقلية وبروحانيته الفنية كتاب مفتوح للناس جميعا، لا فرق بين متعلم وغيره، بل قد يستفيد منه الأمي حيث لا يستفيد المتعلم، والأمر يتوقف على الاستعداد وحسن التذوق وحسن التوجيه، وقد يستفيد إنسان من نظرة في حجر أو زهرة أو شجرة أو ثمرة ما لا يستفيد من معلم أو كتاب. •••
وكثير من الناس عندنا يخشون الآن كلمة الروحية، وخاصة المتعلمين ودعاة الإصلاح، وقد يرون أنها ضرب من الرجعية ومن آثار القرون الوسطى؛ والذي دعاهم إلى هذا أنه إذا ذكرت الحياة الروحية ذهب خيالهم إلى الأديرة وسكانها، والتكايا والمنقطعين إليها، ورجال الذكر والموالد والمشعوذين من رجال التصوف، والدجالين من المنجمين وأمثالهم ممن هم عالة على الناس؛ فهذه هي الروحانية المزيفة. إنما نعني بالحياة الروحية حياة تؤمن بأن هذا العالم ليس مادة فحسب، وأن سيره لا يمكن أن يفسر بقوانين «داروين» وحدها، من الانتخاب الطبيعي، وتنازع البقاء، وبقاء الأصلح، فإن هذا إن صلح تفسيرا للتطور فلن يصلح تفسيرا لحياة الخلية وحياة العالم، ففينا بجانب المادة روح، وفي الأحياء روح، وفي العالم روح، والله من ورائهم محيط.
وهذا الروح الأعلى هو الذي أودع في العالم قوانينه، ونشر فيه جماله، واتصال الإنسان بهذا الروح يسمو به، ويعلي من شأنه، ويرفع من ذوقه.
وليس هذا مما يستدعي الكف عن العمل والانقطاع إلى التبتل، بل إنه يدعو إلى الجد في العمل والإخلاص له والصدق فيه. ولأن تكون تاجرا أو عالما أو موظفا أو زارعا وفيك هذا الجانب الروحي خير من أن تكون متبتلا، أو أن تكون ماديا بحتا مظلما حتى من ناحية عملك وناحية إنسانيتك.
والداعي الأول إلى الإسلام
صلى الله عليه وسلم
كان يحيا الحياة الروحية على أتمها، وكان يحيي الحياة العملية على أتمها، فلم يترهب ولم يعش عالة، وجاهد في الحياة، حتى إنه أعد لخصومه ما استطاع من قوة. وقد أكسبت روحانية الإسلام أصحابه قوة في الحياة العملية لم تكن لهم من قبل، فلم يذلوا ولم يترهبوا. وأبوا إلا أن يسودوا.
3
أسمى ما قرره الإسلام ودعا إليه «الوحدانية» ولذلك كان شعاره دائما «لا إله إلا الله».
فالله خالق كل شيء من سماء وأرض، وجبال وبحار وأشجار، وحيوان وإنسان. هو رب العالمين لا رب غيره، وهو القادر على كل شيء، مدبر الكون وواضع قوانينه، ومؤلف نظمه، وهو العالم بكل شيء «ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» كل شيء في الوجود يستمد منه وجوده وحياته، لا خلق إلا خلقه، ولا قوة إلا قوته هو الحق وهو العدل، وهو المثيب على الخير والمعاقب على الشر