تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن ذاق الطريقتين كالغزالي فضل الطريقة الأولى في مجال الدين واحترم الثانية في مجال العلم.

وكل ميسر لما خلق له.

2

إن كنت ذا مزاج علمي فانظر الله في هذا النظام العجيب الدقيق في العالم، من أصغر ذرة إلى أرقى جسم، من الحصاة إلى الجبل، من البذرة إلى الشجرة، من الحشرة إلى الإنسان، من السديم إلى الشمس، من الأرض إلى السماء، تجدها كلها مكونة تكوينا واحدا في ذراتها، خاضعة لقوانين واحدة في سيرها، فلم يخبط منها شيء خبط عشواء، ولم يسر منها شيء حيثما اتفق. إنما هو النظام الدقيق والقانون المحكم والعقل الكلي المسيطر على الجميع، ولو كان العالم وليد الاتفاق البحت والمصادفات المفاجئة لاختل نظامه وما بقي لحظة.

وكلما تقدمنا في العلم تقدمنا في اكتشاف القوانين، وما لم ندرك قوانينه فجهل بها لا خلو منها، ولولا هذه القوانين المنظمة الشاملة المبثوثة في العالم والتي يخضع لها خضوعا دقيقا لم يكن شيء اسمه العالم، ولكان العلم مستحيلا، فليس العلم إلا طائفة من القوانين لجزء من أجزاء العالم، ولكانت الفلسفة مستحيلة، فليست الفلسفة إلا اكتشاف القوانين الكلية للعالم: ولا شك أن العالم محكوم بقوانين معقولة يتجاوب معها عقلنا، وإلا كان الفهم أيضا مستحيلا.

وأعجب ما في هذا النظام قوة ارتباط أجزاء العالم ارتباطا يجعله وحدة؛ فإن رأيت طفلا بلا أسنان فثم لبن، وإن نبتت أسنانه فثم ما يمضغ، وإن رأيت معدة فثم أسنان، وكل مجموعة من خلايا الإنسان تقوم بوظيفة لا يقوم بها غيرها، ولا بد منها لنفسها ولغيرها، وإن صاحت ألف صيحة فلا بد أن يكون لها تجاوب في ياء.

فأنت إن قلت نظام شامل وقوانين شاملة ووحدة كاملة وعقل مبثوث في جميع الأجزاء فقد قلت «الله»، وإذا قلت «الله» فقد قلت كل شيء.

قال أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي: «أخذني شيخي من يدي وأجلسني في إيوان ومد يده فأخرج كتابا وأخذ يقرأ، فتطلعت إلى معرفة هذا الكتاب فلمح الشيخ هذه الحركة فقال لي: يا أبا سعيد «إن مئة وأربعة وعشرين ألف نبي بعثوا ليعلموا الناس كلمة واحدة وهي «الله» فمن سمعها بأذنه فقط لم تلبث أن تخرج من الأذن الأخرى، أما من سمعها بروحه وطبعها في نفسه وتذوقها حتى نفذت إلى أعماق قلبه وباطن نفسه وفهم معناها الروحي فقد انكشف له كل شيء.» إن الذين يكتفون بذكر اسم الله من غير عقل ولا قلب ومن غير تفكير وتذوق كمريض يعالج مرضه بترديد اسم الدواء من غير أن يشرب نفس الدواء. •••

وإن كنت ذا مزاج فني فانظر الله في جمال العالم، وفكر في القوة التي نشرت هذا الجمال في كل شيء في اتساق وانسجام. انظره في جلال البحار وعظمة الجبال، وفي جمال الشمس تطلع وفي جمالها تغرب، وفي جمال الأشكال والألوان، في هندسة المحار، في شرشرة أوراق الأشجار، في هذه الطبيعة الفسيحة كلها التي تعمل كالآلة الضخمة وهي مع عملها العجيب تبدو نائمة كالصورة الجميلة، حالمة كالعاشق ألم به طيف الخيال. وكما كان العالم كله معقولا يجاوب عقل الإنسان ففيه من الجمال الأخاذ ما يجاوب شعور الفنان، وكما كانت قوانينه وحدة تدل على وحدة واضعها فجماله وحدة تدل على وحدة فنانها.

إذا رق شعورك اهتز قلبك للصباح المبكر وجماله وجوه وأرضه وهوائه، وتشربته في لذة كما تلذ الماء البارد على ظمأ، وخفق للبحر وأمواجه وحركاته كأنه يجري في عروقك، وراعتك السماء ونجومها حتى كأنك تسكر من ترداد النظر إليها، وغمرك زهو بهذا العالم كأنك وارثه ومالكه، وطربت من نغمات العالم، فاهتز قلبك يناغمها، وأحببت العالم وما فيه لأنه مصدر هذا الجمال الذي يبهرك، وأحببت نفسك لأنك تحب الجمال. وأخيرا انبعثت من أعماق نفسك كلمة «الله» تغذى بها هذا الشعور الفياض المتموج ناشر هذا الجمال، ولم تجد خيرا من أن تقرأ قوله تعالى:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٧٣