وهذا ما عناه بعضهم من قوله: «إن الدين يبدأ حيث ينتهي العلم». لقد انتهى العلم عند ذكر العناصر الأربعة وبدأ الدين من هذه النهاية فقال:
والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير .
خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون * خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين .
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون . •••
ثم هذا التغير المستمر في هذا العالم الفسيح. فالبر والبحر في تغير دائم، حتى جبال الهملايا لم تكن ثم كانت، وهي في كل يوم غيرها بالأمس، وفي علم الجيولوجيا البرهان الكافي على هذا التغير. فكم مر على الأرض من أطوار حتى أصبحت صالحة لسكنانا، وهذه الظواهر التي يلعبها الماء بالأمطار والأنهار والبحار، وهذه الحركات العنيفة المدمرة التي تقوم بها الزلازل والبراكين، وهذه القوى التي تسمى الجاذبية والكهرباء، كل أولئك يقف عندها العلماء في التفسير، فكل علة تفسر بعلة، وكل ظاهرة تفسر بظاهرة، ولكن سر في البحث وراء كل علة وكل ظاهرة فستقف آخرا عند سؤال لا جواب له: - لم يلعب هذا البحر الذي أمامي الآن؟ للهواء. ولم يلعب الهواء؟ للحرارة. ومن أين أتت الحرارة؟ من الشمس. ومن الذي أودع الحرارة الشمس؟
هنا نقف ويقف العلم، وكذلك في كل ظاهرة: ما حقيقة الجاذبية؟ وما حقيقة الكهرباء؟ ومن الذي وضع هذه القوانين الكثيرة التي يسير عليها العالم ويكتشفها العلم؟ كل هذا أيضا لا مجال للعلم فيه، وهنا أيضا يبدأ الدين حيث ينتهي العلم.
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا .
الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار . •••
وسلك الناس في معرفة الله طريقين: طريقا داخليا وطريقا خارجيا، فالداخلي أن يستغرق الإنسان في نفسه بتصفيتها وتنقيتها وتهذيبها بالرياضة حتى تنكشف له نفسه فتنكشف الحقيقة فينكشف الله.
وأساس هذه الطريقة أن النفس الإنسانية قبسة من الله أودع فيها العلم بالحقائق، وإنما يحجبها العكوف على الشهوات والاقتصار على الاشتغال بالمادة.
وكان يرى هذا الرأي سقراط وبعض أتباعه وأفلوطين وابن سينا في قصيدته المشهورة (هبطت إليك من المحل الأرفع).
والطريق الخارجي يعتمد على النظر في العالم وتتبع مظاهره وقوانينه كما يفعل العلم، ويبحث في أصلها ووحدة قوانينها ونظمها حتى يدرك الله من ورائها.
وكثيرا ما يشبه المتصوفة الطريقين بحفرة، قد تمتلئ بالماء من جدول يصب فيها، وقد تمتلئ بالماء من نبع نبع منها.
والطريقة الأولى طريقة المتصوفة، يتلقون المعارف بالتأمل في نفوسهم ورياضتها، والطريقة الثانية طريقة المؤمنين من العلماء والفلاسفة، وقل من يجمع بينهما.
الطريقة الأولى:
تعتمد على العاطفة ونوع خاص من المزاج، ولذلك لا تنجح في يد كل أحد، ولا تحتاج إلى ثقافة، ومن أجل هذا قد ينجح في التصوف الأمي ومن لم يقرأ علما. ويأتي بالعجائب في دقة الذوق والوقوع على معان في غاية السمو.
وأما الطريقة الثانية:
فتعتمد على العقل، ولذلك كان لا بد لها من ثقافة علمية منظمة، ولا ينجح فيها إلا قوي العقل دقيق الفهم واسع النظر.
أسلوب الطريقة الأولى رياضة النفس واستحضار الله في كل خاطرة وكل تصرف وفي كل ما يسمع ويرى. وأسلوب الثانية المنطق ودراسة المقدمات وفحصها وامتحان النتائج وصدقها.
ومن لم يذق إلا طريقة واحدة عاب الأخرى، فالصوفي لا يعبأ بطريقة العقل في الوصول إلى الله، والعالم يرى طريقة التصوف إمعانا في الخيال.