وما أحوجنا في الشرق اليوم إلى زعماء من هذا القبيل تجمعت فيهم هذه العناصر، فيأخذون بيده في نهضته وينيرون السبيل أمامه، ويهدونه إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
| أحاديث رمضان: في الحياة الروحية1
1
في بعض كتب الهند حكاية لطيفة وهي:
أن رجلا سريا له ابن عزيز عليه، فلما بلغ الثانية عشرة أرسله ليتلقى العلم على خير الأساتذة، وما زال يجد حتى استنفد جميع علمهم وقد بلغ الرابعة والعشرين، فعاد إلى أبيه مزهوا بعلمه، فخورا بمعارفه، عائبا على من حوله جهلهم وقلة علمهم.
قال له أبوه يوما: يا بني، أراك مغرورا بنفسك معجبا بعلمك، هلا طلبت من العلم ما يجعلك تسمع ما لا تدركه الأسماع، وتبصر ما لا تدركه الأبصار، وتعلم ما لا يعلم؟
الابن :
أي علم هذا يا أبي؟ فإني لم أسمع به.
الأب :
إنه يا بني علم أشبه بالعلم بالطينة التي تصنع منا أشياء كثيرة مختلفة الأشكال، فإنك متى عرفت الطينة وتكوينها عرفت كل ما يصنع منها، ولم يكن الاختلاف إلا اختلافا في الأسماء، أما الحقيقة فواحدة، كذلك هذا العلم لو علمته لعلمت كل شيء.
الابن :
لا شك أن هذا علم لم يعرفه أساتذتي الكبار الذين أخذت عنهم، إذ لو علموه لعلمونيه، فهل لك يا أبي أن تشرحه لي؟
الأب :
وهو كذلك ، ائتني بثمرة من شجرة النيجرودا (شجرة هندية).
الابن :
ها هي.
الأب :
اكسرها.
الابن :
ها قد فعلت.
الأب :
ماذا ترى في داخلها؟
الابن :
بذورا صغيرة.
الأب :
اكسر بذرة منها.
الابن :
ها قد فعلت.
الأب :
ماذا ترى؟
الابن :
لا شيء مطلقا.
الأب :
يا بني إن هذا الجوهر الذي لم تره هو الروح الذي لم تدركه، وهو الذي كون الشجرة الكبيرة. إن هذا الجوهر وهذا الروح هو الذي يقوم به كل موجود إنه الحق. إنه النفس. إنه أنا وأنت.
الابن :
زدني يا أبي علما.
الأب :
خذ هذا الملح وضعه في قدح ماء وائتني به في الصباح.
فعل الابن ما أمر وحضر في الصباح.
الأب :
ائتني بالملح الذي وضعت في القدح.
الابن :
لا أستطيع؛ إذ كان قد ذاب في الماء.
الأب :
ذق الماء من السطح وأخبرني.
الابن :
إنه ملح.
الأب :
ذقه من الوسط.
الابن :
إنه ملح.
الأب :
ذقه من القاع.
الابن :
إنه ملح.
الأب :
اطرح الماء على الأرض وائتني صباحا.
عاد الابن في الصباح فوجد الأرض تشربت الماء، وبقي الملح.
الأب :
هكذا بدنك أيها الابن، إنك لا تدرك الحق فيه، ولكنه موجود. إنه الروح. إنه النفس. إنه أنا وأنت. •••
ترمي هذه القصة إلى أن هناك جوهرا وروحا منبثا في هذا العالم كله على اختلاف أنواعه وأشكاله، هو سر وجوده، ولا فرق بينها إلا في الأسماء، كالفرق بين خشب يصنع شباكا أو بابا أو دولابا، فجوهر الخشب واحد، وإنما تتعدد الأسماء.
إن العلم الذي حصله «الابن» على العلماء قد كشف النقاب عن كثير من الألغاز، ولكنه لم يكشف شيئا من سر الحياة، وهذا هو الذي أراد الأب أن يكشفه.
كم تقدم الطب والجراحة فعالج أمراضا كانت مستعصية، ووقى من أمراض كانت فاشية، ومد من أعمار كانت قصيرة.
وكم تقدمت علوم الآلات، فاخترعت المخترعات العجيبة، والآلات الدقيقة الغريبة، ولكن إذا وضع لكل هؤلاء العلماء هذا السؤال: ما الحياة وكيف أتت وكيف تنتهي؟ عجزوا جميعا عجز «الابن» ومعلميه. لقد قالوا إن جميع النبات والحيوان مركب من خلايا ، وكل خلية مركبة كيمياوية من «كربون» و«هيدروجين» و«أكسجين» و«نتروجين»، فإذا تكونت هذه العناصر بنسب معينة كانت الخلية؛ ولكن كون هذه الخلية بهذه النسب كما تشاء فلن تستطيع ولن يستطيع العلماء مجتمعين أن يمنحوا الخلية «الحياة». «إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز».
إن الخلية من أحقر نبات إلى أعظم إنسان تتكون من هذه العناصر التي يعرفها العلماء، ولكن ينقصها عنصر يجهله العلماء هو الحياة، هذا العنصر لا يمكن العلم إيجاده، وبين العناصر المادية وعنصر الحياة برزخ لا يمكن أن يتخطاه العلم، وقد حار كل الحيرة في وسيلة الاتصال بينهما.