تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمثل الأعلى للزعيم السياسي يختلف باختلاف العصور والبيئات، وهو في هذا العصر في الأمم الديمقراطية يتكون من عناصر أربعة لا بد من توافرها جميعا ليكون الزعيم زعيما حقا. وهي: الأمانة والشجاعة والذكاء والتعاطف مع الناس.

فأما الأمانة فلسنا نعني بها ألا يسرق ولا يخون ولا يرتشي، فهذه أمور تطلب من كل فرد في الأمة مهما حقر شأنه، تطلب من الموظف الصغير والتاجر الصغير وكناس الشارع والفلاح الفقير. وإنما تطلب من الزعيم الأمانة بمعنى أدق وأرقى، وهو أن يكون جادا صادقا مخلصا في فكره وقوله وعمله، فهو ليس أمينا إذا أخفى الحقائق عن أمته أو راءى وتظاهر بما ليس فيه، كما أنه ليس أمينا إذا أغمض عينه عن خيانة يرتكبها المقربون إليه أو راعى أسرته أ وحزبه على حساب أمته، الأمانة في الزعيم السياسي ألا يسمح لعقله أن تسكن فيه فكرة إلا إذا اعتقد أنها حق، ولا يجري على لسانه قول إلا الحق، ولا يصدر منه عمل إلا إذا آمن بنفعه، فإن لم يتوافر فيه هذا العنصر فهو زعيم مزيف غير أمين.

أما الشجاعة فلا بد له منها في كثير من الواقف، فقد يضلل الشعب بشتى الأضاليل، فيحتاج الزعيم أن يجاهر بما يعتقد ولو أغضب أتباعه، ولو أغضب الرأي العام، لأنه ليس تابعا للرأي العام، بل هو قائده ومرشده، يخاصمه أحيانا إذا رأى الخطأ في اتجاهه، وقد يخاصم الحكومة في تشريعها الضار أو في تصرفها السيء، فيحتاج إلى الشجاعة ليهاجمها ويثور عليها. ليس الزعيم الحق هو الذي يعيش على التملق للجماهير وكسب إعجابهم بالحق أو الباطل، والكلام بما يسرهم ويرضيهم. إنما الزعيم الحق من له من الشجاعة الأدبية ما يمكنه من أن يسمعهم الكلام المر إذا اقتضى الحال، ويخالفهم إن رآهم على ضلال، ويقومهم إن اعوجوا، ويدعوهم إلى الصراط المستقيم إن انحرفوا، ولو عرضه ذلك لفقد زعامته وتشويه سمعته.

ثم لا بد للزعيم من ذكاء ممتاز يدرك به الحقائق ولو بعد إدراكها، وهو في عصرنا هذا عنصر أساسي أكثر مما كان قبل، لأن الحياة الاجتماعية تعقدت وظروف الأمة تعمل فيها عوامل مختلفة خفية وظاهرة، والمنافع والمضار على أشد ما يكون من الاشتباك، وليست أية أمة بمعزل عن العالم، فهي نقطة من محيطه تتأثر بما يجري فيه، وليست العوامل الداخلية بأقل تعقدا من العوامل الخارجية كل هذا يتطلب ممن تصدر للزعامة أن يكون له من الذكاء ما يدرك به هذه الشئون المعقدة إدراكا صحيحا ليبني عليه حسن تصرفه.

ثم إن علماء النفس اليوم يقسمون الذكاء أقساما وينوعونه أنواعا. فهناك الذكاء في فهم النظريات والمسائل المجردة كذكاء الفلاسفة والجامعيين. وهناك الذكاء العملي، والزعيم السياسي أحوج إلى هذا النوع الأخير، وهو إدراك العلاقات الواقعية للمسائل والأشخاص، وهو ذكاء مكتسب من التجارب أكثر مما يستفاد من دراسة النظريات وعمق التفكير، هو ذكاء كالذي يكسبه المهندس من كثرة ممارسته، والطبيب بعد دراسته من طول مزاولته. فالزعيم السياسي في حاجة قصوى إلى ذكاء عملي يفهم به عقلية الناس الذين يعاملهم ويتزعمهم ويعمل لهم وكيف يساسون ووسائل إقناعهم وتوجيههم ومواطن القوة والضعف فيهم، فإن لم يدرك ذلك واكتفى بالنظريات وفهمها فشل فشل المحامي الذي يقتصر على دروس المدرسة، أو الاقتصادي الذي فهم النظريات ولم ينزل السوق.

وأخيرا لا بد من عنصر «العطف» أو بعبارة أخرى شعور الزعيم بأواصر الأخوة بينه وبين من يتزعمهم، ولا يكون ذلك مجرد قول يقوله أو يتملق الجمهور به. إنما هو شعور صادق يتغلغل في نفسه ويفيض على أقواله وأعماله، يشعر بعذاب الناس وآلامهم وآمالهم كما يشعرون بل أكثر مما يشعرون، ثم يحمله صدق هذا الشعور على أن يسير بهم إلى الغرض الذي ينشد وينشدون، لا أن يستخدمهم في تحقيق مصالحه الشخصية، وأغراضه الذاتية بهذا العطف يستحلي العذاب في خدمة الأمة، ويهزأ بالمتاعب في سبيل تحقيق الغرض، وبدونه يكون أنانيا جافا إن خدع الناس حينا فلا بد أن ينكشف عاجلا أو آجلا إذا ملأ الزعيم هذا الشعور استساغ التضحية واستعذبها، وإلا كان شرها في كسب الخير لنفسه من وجوهه المختلفة. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٧٠