أترجو أن تسود ولا تعنى
وكيف يسود ذو دعة بخيل؟
ويختلف الزعماء في تفوقهم في هذه الصفات أو بعضها ونسبة تفوقهم فيها، وقد يفقدون بعضها ويعتاضون عنها بتميزهم في بعضها الآخر.
ثم إن هذه الصفات قد يتصف بها الزعيم حقا ويتخلق بها صدقا، وقد يتصنعها رياء، فلا تنطلي إلا على رأي عام لم ينضج، وشعب لم يكتمل. •••
كذلك الزعماء أشكال وألوان: فهناك الزعيم الضاغظ المتحكم الذي يضطر الجمهور أن يؤمن به وأن يتوجه كما يوجهه، ويسد عليه منافذ تفكيره ومنافس مشاعره، ثم يدفعه دفعا إلى ما يريد هو، مثل هتلر وموسوليني وبعض مؤسسي المذاهب الدينية، وهناك الزعيم الذي يمثل عواطف الجماعة ومشاعرها، فيكون للجماعة آمال ومشاعر فيها شيء من الغموض وشيء من الميوعة، فيأتي هو ويوضحها ويمثلها ويبلورها، ويكون لسانها القوي في التعبير عنها وقلبها الحار الذي ينبض بأمانيها، ويكون هذا سر زعامته، يستطيع أن ينطق بما يشعرون ولا ينطقون، ويحدد الأغراض التي لا يحددون، ويقودهم إلى تحقيق ما يؤمل ويؤملون.
ومن ناحية أخرى هناك الزعيم الثائر والزعيم المعتدل؛ فالزعيم الثائر لا يرعى التقاليد والأوضاع ويدعو إلى الوصول لهدفه بعنف وقوة، لا ينظر إلى الماضي ولا إلى الحاضر، ولكن يسحر بالصورة التي يرسمها للمستقبل والزعيم المعتدل يرعى الأوضاع والتقاليد ويدعو إلى التقدم البطئ، ويربط الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل، ويرى أن الطفرة محال، وخير الإصلاح ما استطاعه الشعب،، وخير السير ما كان إلى الأمام في أناة، ولذلك يرمي الثاني الأول بالتهور، ويرمي الأول الثاني بضعف العزيمة والجمود.
ومن ناحية الموضوع نرى أن هناك زعيما دينيا زعيما سياسيا وزعيما اقتصاديا وزعيما علميا، وهكذا.
وهم على اختلاف أنواعهم وألوانهم تحتاج إليهم الأمة حاجة الجيوش إلى قوادها، والسفينة إلى ربانها، والزعامة من كل نوع ليست لعب أطفال ولا اعتماد على ثرثرة كلام، ولا على ضخامة مال إنها قيادة أمة، تعتمد على فلسفة وعلم وفن واستعداد خاص ومران طويل.
تتطلب الزعامة قيادة الجماهير، وهو عمل من أشق الأمور وأصعبها؛ لأن الجماهير عادة تخضع للعواطف والإنفعالات الوقتية أكثر من خضوعها للعقل والتفكير الهادئ المتزن، ولذلك قد تتحول من عاطفة الرحمة إلى القسوة العنيفة في لحظة، وهذا هو السر في أن الزعيم الثائر الهائج المشبوب العاطفة أنجح في قيادتهم من الزعيم الهادئ المفكر.
ومن ثم كانت العلاقة بين الزعيم وأتباعه من أدق العلاقات وأكثرها تعرضا للخطر. فالزعيم دائما في الميزان، كل كلمة منه وكل فعل يصدر عنه وكل كلمة أو فعل من مؤيديه أو معارضيه تؤثر في ميزانه بالرجحان أو عدمه.
ولشخصية الزعيم أثر كبير في هذه العلاقة؛ فلكل زعيم صورة تنعكس في خيال أتباعه وتؤثر فيهم، وكثيرا ما يضيف الأتباع إلى هذه الصورة خيالات وأوهاما من عندهم يخلعونها على الزعيم وقد يعتقدها هو أيضا في نفسه، ومن ثم كان التفاعل بين الزعيم وأتباعه تفاعلا قويا.
والنظر إلى الزعيم يختلف باختلاف حالة الأتباع العقلية والخلقية والاجتماعية، والجماعة الضعيفة العقلية قد تزعم المهرج الثرثار، وقد تزعم الهائج الشديد الإنفعال أو كثير الملق لهم من غير اعتبار جدي آخر. وقد تخطئ الجماعات حتى الراقية منها فتمنح من نال ثقتها في ناحية من النواحي ثقتها في النواحي الأخرى، فقد ينبغ الزعيم في السياسة فيمنح الثقة في الاقتصاد أو العكس وقد ينبغ في الإصلاح الديني فيمنح الثقة في السياسة وهكذا. وقد تكون الأمة في حالة ثوران واضطراب فتكون العلاقة بين الزعيم والأتباع علاقة مضطربة كذلك، كما في زعماء الثورة الفرنسية، كانوا يرفعونهم فوق الأعناق ثم ينفضون أيديهم منهم فيسقطون ثم يدوسونهم بالأقدام. •••