تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان هناك تفوق ورياسة فذلك يستلزم سلطة وسيطرة من جانب، وخضوعا وطاعة من جانب.

قف وقفة في خظيرة الدجاج تر السيادة والخضوع بين الديكة بعضها وبعض والدجاج بعضه وبعض، والديكة والدجاج معا، عند التقاط الحب، وحسو الماء واختيار المكان الصالح للنوم، وهكذا.

وانظر إلى الأسرة يسودها الرجل، واستعرض ضروب السيطرة وضروب الخضوع، وانظرها تسودها المرأة، واسمع للأمر والنهي والذلة والاستسلام، وهكذا. فمتى كانت سيطرة هنا كان خضوع هناك وقد تتعاور السلطة والذلة على الشخص الواحد، فقد يكون الرجل مسيطرا بماله وشبابه، ثم ينقلب خاضعا لفقره وشيخوخته، وقد تتسيطر المرأة لجمالها، ثم تزول السيطرة بزواله. •••

ومخايل السيطرة والسيادة كثيرا ما تظهر في الأطفال منذ نشأتهم، كالذي روى أن رجلا نظر إلى معاوية وهو غلام صغير فقال: إني أرى هذا الغلام سيسود قومه. فقالت أمه هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.

وقد تكون هذه عن وراثة يرثها، كالبذرة الطيبة تختار لتثمر ثمرا طيبا، وتأتي البيئة فتنمي هذه الوراثة وتغذيها، وقد تسوء فتضعفها أو تفنيها؛ فمنزلة الطفل في الأسرة لها أثر كبير في تقوية خلق السيادة أو إضعافه، فقد يكون الطفل أول ولد لأبويه ثم يرزقان بطفل آخر فيحولان عطفهما وتدليلهما إليه، فيثور الأول ويجتهد أن يلفت النظر إليه بعنفه وقوته وسطوته، فينشأ عنده حب السيطرة، ثم تساعده الظروف الأخرى خارج البيت كمهارته في اللعب أو أوليته في فصله، أو نحو ذلك، فيعده كل ذلك إلى السيطرة في الحياة، وقد يقسو الأب أو المعلم على الناشئ، فيدفعه ذلك إلى مقابلة القسوة بالقسوة، فيتولد عنده حب السيطرة، وقد تزيد قسوة الأب أو المعلم فتميت نفس الناشئ وتذله، وهكذا. مئات ومئات مما يجري في الحياة من كتاب يقرؤه، ودين يتدين به، وأصدقاء يعاشرهم، وعمل يتولاه، وروايات يقرؤها، وشعر يحفظه ... إلخ، كلها تؤثر في مصيره من السيطرة أو الخضوع.

والزعيم يتفاعل مع بيئته فتكونه ويكونها، وتغذيه ويغذيها، وبعض الناس قد منح من القوة ما يمكنه من الزعامة حيثما حل وأين رميت به، كالذي يصفه المتنبي:

إن حل في فرس ففيها ربها

1

كسرى تذل له الرقاب وتخضع

أو حل في روم ففيها قيصر

أو حل في عرب ففيها تبع •••

وليست كل سيطرة زعامة، فهناك سيطرة بحكم المنصب كالمأمور في مركزه أو المدير في مديريته أو الوزير في وزارته أو القائد في جيشه، فهذه كلها لا تخول لصاحبها أن يسمى زعيما.

وهناك سيطرة بسبب الملكية، كسيطرة مالك الأرض على فلاحيه، أو صاحب المصنع على عماله.

وهناك سيطرة بسبب نظام الطبقات كسيطرة ذوي البيوتات الكبيرة على ذوي البيوت الصغيرة، وسيطرة الباشا على من هم أقل منه مرتبة، أو الموظف في الدرجة الأولى على من في الدرجة الثامنة، أو نحو ذلك؛ فهذه كلها ليست زعامة، إنما ركن الزعامة هو خضوع الجم الغفير من الناس بإرداتهم واختيارهم لمزايا خاصة يرونها في الزعيم. •••

والصفات التي تستوجب الزعامة تختلف باختلاف نوع الزعامة؛ فهناك زعامة سياسية وزعامة علمية وزعامة دينية وزعامة حربية إلخ، كما أنها تختلف باختلاف الجماعات وتصورهم للمثل الأعلى للحياة. فلما كان عند العرب مثلا المثل الأعلى عماده الشجاعة والكرم كانت الزعامة عمادها هاتان الخصلتان. وقد قال عمر: «السيد هو الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل، البار بمن يعاشر» فجعل السيادة في الكرم والحلم والعطف، وعدوا سلم بن قتيبة سيدا «لأنه كان يركب وحده ويرجع في خمسين» فجعلوا السيادة في الشجاعة، كما جعلوا من شروط السيادة صفات سلبية كالترفع عن الصغائر فقالوا: «لا سودد مع انتقام» إلخ. واليوم يعد من أهم صفات الزعيم الذكاء وسعة العقل والثقة بالنفس والرحمة بالناس والعطف عليهم والقدرة على ابتكار الخطط وحب العدل والفصاحة في القول مع القدرة على الدعاية، هذا إلى الصبر على الشدائد واحتمال المكروه، فلا زعامة من غير عناء كما يقول الشاعر:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٦٨