وكذلك لو قارنت الآن بين مجموع الصحف الشرقية والصحف الغربية لم تجد في هذه من المهاترات الشخصية والسباب المقذع ما تجده في بعض الصحف الشرقية، لأن ذوق الجمهور أرقى، والصحيفة التي تقع في مثل هذا تجد من اشمئزاز الذوق ما يميتها. كما تجد أن ظروف الأمم الحاضرة يجب أن تشغلها مصلحتها العامة ومستقبلها الخطير أكثر مما يشغلها أمور شخصية؛ فإن كانت هذه الأمور الشخصية تمس صالح الجمهور عولجت أمام القضاء في حزم وسرعة، لا أن تكون شغل الأمة الشاغل أزمانا طويلة.
كذلك إن رأيت مجلات الجمهور إنما تعنى بالمسائل الجنسية أكثر مما تعنى بالناحية الثقافية، وبالصور الخليعة أكثر مما تعنى بالصور الرفيعة، دل هذا على انحطاط الذوق الأدبي للجمهور، لأن في الحياة أمورا أكثر من نظرة الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل. قد يصح أن يكون هذا شيئا من الأشياء، أما أن يكون كل شيء أو أهم شيء فدليل على فساد الذوق الأدبي.
تسألني: وما يرقي الذوق الأدبي في الأمة؟
أما في الخاصة فعماد ترقية الذوق الأدبي هما «الجامعة» و«البرلمان» فهما المثل الذي يحتذى، فإن رقي ذوقهما بحسن تقويمهما للأشياء. وما يقال وما لا يقال وكيف يقال، وما يفعل وما لا يفعل وكيف يفعل، قلدت سيرتهما في الجماهير، فالجامعة نموذج الناشئين، والبرلمان نموذج الصحفيين والسياسيين ...
إن هؤلاء الجامعيين والبرلمانيين مظنة الثقافة الواسعة والقراءة العميقة والاطلاع الواسع، والاتصال بذوي الثقافة الراقية والذوق المهذب في العالم المتمدن، فأحرى بهم أن يقودوا الذوق الأدبي في الأمة.
وأما في الجماهير فويل لنا من الفقر والأمية، فهما الحجران اللذان يصطدم بهما كل إصلاح. وإن فساد الذوق أكثر ما ينشأ من الفقر والجهل. إن الطفل الذي ربي في بيت قذر ووسط قذر لا يأنف من قذارة الشوارع، ولا من قذارة ملابسه، ولا من قذارة وسطه. فكيف إذا كبر نتطلب منه أن يأنف من النكتة القبيحة، والحكاية القذرة، والسباب القذر؟ وإن الأمي الذي لم يقرأ كتابا، وكل غذائه الأدبي أغان وضيعة وحكايات ونوادر وضيعة لا يمكن أن يرقى ذوقه فيأنف من الهجر.
عماد الذوق الفني إدارك الجمال في كل صوره، من جمال منظر، وجمال أزهار وجمال طبيعة، وجمال نظافة، وجمال نظام، فإذا شاع هذا الإدراك وربى في البيت والمدرسة والمجتمعات، أمكننا بخطوة يسيرة أن ندرك بذوقنا جمال المعاني، فلا نضحك إلا من النادرة المؤدبة، وننفر من السياسي المهرج، ومن الصحف السبابة، ومن كل شيء قبح مادة أو معنى. وإذا رقي ذوق الجمهور رقيت السياسة ورقي الفن والأدب.
| الزعامة والزعماء
عودتنا الطبيعة أن ترينا في كل مجموعة من المجموعات من يحتل مكان الصدارة منها، ويتميز بصفات خاصة عن سائر أفرادها.
حتى في النبات، نجد في كل مجموعة نبتة رائعة تلفت الأنظار إليها بسمو في نموها، أو بإزهارها زهرة تميزت بالجمال، وفي البستان سرعان ما نرى شجرة فاقت أقرانها بجمال استوائها، أو علوها وتفوقها، أو بكثرة أثمارها، أو حلاوة ثمرتها، والكل يزرع في أرض واحدة ويسقى بماء واحد.
وهذا في عالم الحيوان أظهر، فكل خلية نحل لها ملكة تأمر فتطاع، وتدعو فتجاب:
مملكة مدبرة
بامرأة مؤمرة
تحمل في العمال وال
صناع عبء السيطرة
فاعجب لعمال يول
ون عليهم قيصرة
وفي كل قطيع شاة متميزة، وفي كل عش دجاج ديك متفوق.
فإذا أتيت إلى الإنسان فالأمر فيه أبين. في كل مجتمع رئيس، بدوا كانوا أو حضرا، أطفالا أو كبارا، رجالا أو نساء، تجمع الطلبة في الفصل فيكون لهم في الذكاء أول، وتجمعهم في الألعاب الرياضية فيكون بينهم في ألعابهم ماهر، وتجري بينهم سباقا في أي ضرب فيكون منهم الفائز، وفي البدو شيخ القبيلة، وفي الحضر الأمير، وفي الديانة الشيخ والقسيس، وفي الحكم المدير والوزير، وفي شئون الاجتماع المصلح، وفي السياسة رئيس الحزب. •••