على كل حال فقد أثرت هذه المشكلة وعرضت بعض حلولها لأبين خطرها وقيمة بحثها، ولعله لو اجتمع مؤتمر من رجال العالم العربي وعلمائه وأدبائه وقصروا بحثهم على هذه المشكلة وخطرها، وعرضوا للحلول الممكنة وتجردوا في بحثهم من سيطرة القديم وإلفه ووصلوا إلى حل يرتضونه لأدى للعالم العربي أجل خدمة. •••
وأنتقل بعد ذلك إلى المسألة الثانية وهي مشاكلنا في الأدب العربي الحاضر وأحب أن أنبه إلى أني أستعمل الأدب بمعناه الواسع كالذي نستعمله عند ما نقول «كلية الآداب» فيشمل التاريخ والجغرافيا والفلسفة والأدب الصرف وما إلى ذلك.
ومشكلتنا فيه كمشكلتنا في اللغة من حيث إن الحضارة الحديثة أنتجت فيه إنتاجا ضخما في جميع فروعه ونواحيه وساير أهلها فيه مقتضيات الأحوال والأزمان، وكما تقدموا في مادته وموضوعاته تقدموا في طريقة عرضه وإخراجه، ثم اعتبروا انتاج كل أمة ملكا مشاعا للأمم الأخرى، فلا يظهر كتاب جديد كبير القيمة في أمة حتى تنقله الأمة الأخرى إلى لغتها، حتى وضعت كل أمة حية يدها على كل ثروة العالم العلمية والأدبية ومكنت أبناءها من السباق في الإنتاج.
وهذا ما يجب أن تفعله كل أمة تريد الحياة، فكل علم وكل أدب لا يحيا إلا بالتطعيم، وإلا بالوقوف على العلوم والآداب الأخرى حتى يستفاد منها ويبنى عليها، وحتى في الأدب الصرف، أمام الإنجليزي وبلغته خير نتاج الفرنسي والألماني والأمريكي والسويدي والروسي بل والشرقي، وهكذا في كل أمة.
في ضوء هذا ننظر ماذا فعل العالم العربي إزاء هذه الثروة الضخمة؟ إنه من غير شك في نهضته الحديثة قد قام بمجهود مشكور في ترجمة كثير من الكتب القيمة في شتى فروع الأدب وفي الاقتباس منها واستغلالها بمختلف الأشكال، ولكن هذا المجهود معيب من نواح:
الأولى:
أنه مجهود غير كاف، فالثروة ضخمة جدا والترجمة ضئيلة بالنسبة إليها، ولعل العذر أن الإنتاج القيم نتج في أوربا من عهد نهضتها في القرن السادس عشر، وتأخرت نهضتنا فلم تبدأ إلا في نحو أوائل القرن التاسع عشر، فلم نلحق هذا التلاحق في الإنتاج الأوربي.
ثم إن القادرين منا على الترجمة الصحيحة نسبة ضئيلة بالقياس إلى عددنا الذي يبلغ نحو سبعين مليونا بسبب ضعف الثقافة وقلة عمقها وقلة عدد الذين يستفيدون منها.
والثانية:
أن هذا المجهد مع قلته غير منظم فالمجهودات مجهودات فردية مبعثرة، والكتاب الواحد قد يبذل في ترجمته مجهودان لا يعرف أحدهما ما يغفل الآخر. والطريقة المثلى التي يجب أن نسلكها هي:
أولا:
حصر أمهات الكتب التي يجب أن تترجم إلى اللغة العربية من اللغات المختلفة، ووضع سجل لها يزيد كلما زاد الإنتاج الأوربي وينقص بما ترجم منه، ويشترك في وضعه جهابذة الأدباء والعلماء في العالم العربي.
وثانيا:
تعاون الدول العربية والهيئات العلمية والأدبية على الإنتاج المنظم، وسخاء الدول في الإنفاق على هذا الباب، فليس إصلاح العقل وغذاؤه بأقل قيمة من إصلاح الأرض.
وإذ كان أدبنا العربي الحاضر يستمد وجوده من الأدب الغربي بالترجمة والاقتباس فهو كذلك يستمد من التراث القديم، وهي ثروة واسعة لم تستغل استغلالا صحيحا كافيا أيضا، وما قلناه هناك من القلة والفوضى ينطبق على الأمر هنا انطباقا تاما، ولعل في الجامعة العربية أيضا الأمل في القيام بهذا العبء وتنظيم التعاون ووضعه على أسس ثابتة.
إذا تم هذا أمكن للأدب العربي أن يسير في موكب الأدب العالمي ويأتي بلون جديد بما يستغل من منابع الشرق الأصيلة.
ومسألة أخرى في أدبنا الحاضر، وهنا أتكلم عن الأدب البحت من شعر ونثر فني وقصص، فأراه مقصرا في وصف حياتنا الاجتماعية وعرضها ونقدها وتوجيهها، وهذا جزء هام من رسالته، بل أرى أنه في الأيام الحاضرة أقل رعاية لهذا الأمر من الأيام القريبة الماضية، فقد كان شعر شوقي وحافظ أملأ بأحداثنا ومعالجتها من شعر اليوم، فكان كلما عرض حادث للأمة سياسيا واجتماعيا شعرا فيه، كما يدل على ذلك ديواناهما وليس هذا شأن الشعر اليوم.