وضرر آخر ينال اللغة العربية الفصحى نفسها، ذلك أن استعمال اللغة في الحياة الواقعية، في البيوت والشوارع والمجتمعات يكسب اللغة حيوية قوية ومرونة وتقدما أكثر مما تكسبها حياة الكتب، ونحن نلاحظ ذلك في لغتنا العامية، فاستعمالنا لها في حياتنا الواقعية جعلها تتجدد وترتقي كل يوم، لأن للفظ هالة غير المعاني الجامدة التي تنص عليها المعاجم، وهذه الهالات تتغير بما يحدث للفظ من تنادر ومن أخذ ورد ومن أحداث اجتماعية وسياسية وهكذا، فإذا انحصرت الكلمات في الكتب لم تتجدد حياتها هذا التجدد.
واللغة العامية لما كانت لغة واقعية جاءتها المخترعات الحديثة والآلات الحديثة فلم تقف كما وقف رجال الفصحى وقالوا تلفون وسيما وراديو، وسمى النجار آلاته، والحداد أدواته، وصقلوها بألسنتهم ولم ينتظروا رجال العلم والأدب.
أضر هذا الوضع باللغة الفصحى فلم تتجدد معاني ألفاظها التجدد الكافي، لأنها لم تنغمس في الحياة، وإنما انغمست في الكتب والصحف، وأضر بها من ناحية أن الأديب وقد عجز عن استعمال ألفاظ فصحى هرب من الواقع إلى الخيال ومن الجزئيات للكليات، فلما عجز عن أن يقول: إنه يلبس طربوشا. قال: إنه يلبس قلنسوة. ولما عجز أن يقول: إنه يلبس جزمة. قال: إنه يلبس نعلا. وفر من وصف أثاث حجرة أو ملبس شخص؛ لأن أسماءها إفرنجية، فقال ألفاظا عامة ليست دقيقة.
إن شئت فانظر إلى نوع من أنواع الأدب اللطيف وهو الفكاهة والنوادر كيف نما في اللغة العامية بأكثر مما نما في اللغة الفصحى لأنها لغة التخاطب في المجتمعات والحياة العامة.
ولم أسق هذا لأقوال بتفضيل العامية على الفصحى فهذا لا يخطر لعاقل على بال، ولكن لأدلل على ما أصاب العامة والخاصة من وجود لغتين في العالم العربي بهذا الوضع.
هذا هو الداء فما الدواء؟
سؤال في غاية الصعوبة والخطورة معا، فقد يرى قوم أن الأمور سائرة بطبيعتها سيرا حسنا لحل هذا المشكل، فاللغة العامية تتهذب بانتشار الثقافة وسماع الراديو والسينما والتمثيل وقراءة الصحف وما إلى ذلك، واللغة الفصحى تسهل بالصحف والمجلات وحاجة الكتاب إلى أن يفهمهم أكبر عدد ممكن، وهذا حتما يؤدي إلى تقارب اللغتين أو اتحادهما على مر الزمن.
وإني لا أنكر عمل الزمان في التقريب بين اللغتين، ولكنني من جهة أخرى أرى أن هذا التقارب إنما هو بين عدد محدود من سكان المدن كالعمال والصناع ومن في حكمهم، أما السواد الأعظم من الأمة وهم الفلاحون فهم بعيدون عن هذا التقارب. ومن جهة أخرى فلست أؤمن مطلقا أن لغة العامة مهما ارتقت ستكون يوما من الأيام لغة معربة كاللغة الفصحى، ونشر الثقافة العامة بين الشعب جميعا يعوقه الإعراب، فنحن نعلم الطلبة نحو ثلاثة عشر عاما تعليما مجهدا، ومع ذلك قد يكون واحد منهم في الألف هو الذي يجيد الإعراب والكتابة الصحيحة والقراءة الصحيحة، فكيف نتطلب ذلك في الثقافة العامة التي تعلم في زمن محدود.
وقد كنت رأيت في بعض الأوقات أن نصطنع لغة وسطا بين العامية والفصحى تنقى فيها اللغة العامية من خرافيشها «كمفيش» و«معليش» ونحو ذلك، وتطعم بالكلمات السهلة من اللغة الفصحى وتستعمل فيها الكلمات العامية التي حرفت قليلا عن اللغة الفصحى فيرد إليها اعتبارها، وفي الوقت عينه تكون خالية من الإعراب، تسكن فيها أواخر الكلمات ثم تستعمل هذه اللغة في التثقيف العام للجمهور وتنشأ بها مجلات وجرائد وكتب لتثقيف الشعب، ونبذل الجهد في أن ينشر ويتكلم بها الخاصة والعامة في حياتهم العامة، وتبقى اللغة الفصحى لتعليم الخاصة ومن يودون استكمال التعليم في الجامعات ونحوها حفظا لتراثنا المجيد القديم وربطا بين ماضينا وحاضرنا.
ولكن عيب هذه الفكرة صعوبة اصطناع اللغة وبثها ونشرها بين الجماهير الذين رضعوا لغتهم العامية مع اللبن، وبين أيدينا مثل على ذلك، وهو أن لغة الاسبرانتو قد اصطنعت اصطناعا وسهلت وسائلها وبذل في نشرها جهود جبارة ومع هذا لم تنجح النجاح المرجو لها وإن كانت هناك فروق بين الاسبرانتو والرأي الذي شرحته.