تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد وجه كثير من الشعراء والأدباء وجهتهم نحو أدب الغرب يقتبسونه ويقلدونه في موضوعاته وأساليبه، ولكن فاتهم أن هذا الأدب لا يكون أصيلا، إنما الأصالة أن يتثقفوا بالأدب الغربي ما شاءوا، ثم يهضموه ويستغلوه، ثم يوجهوا وجهتهم نحو قومهم وحياتهم الاجتماعية وأحداثهم الهامة ويصوغون من ذلك كله قصصهم، وينشئون فيه شعرهم، ويوجهون أممهم إلى مثل أعلى يرسمونه، وإصلاح ينشدونه، أما السبح في الخيال فقط، والتقليد فقط، فإذا قال شاعر غربي: «في وادي القمر». قلنا «في وادي القمر». وإذا قال في: «بحر الدموع». قلنا: «في بحر الدموع»، فضرب من الفقر الفني.

إن قال قائل: إن الفن للفن. قلنا: هل ثم مانع من أن يكون هذا شأن بعض الفن، وأن يكون بعضه الآخر فنا لخدمة المجتمع، لقد شبع الأدب العربي من الأدب الغنائي لتصوير العواطف، وبكاء الحب، والإفراط في المديح والرثاء وما إلى ذلك، فلماذا لا يكمل نقصه بالأدب في تصوير المجتمع وبؤسه، وسوء موقفه الاجتماعي والسياسي، وتخلفه عن غيره، وبث الشعور بالنقص، وبعث الأمل في مستقبل خير من الحاضر، فالباحثون العلميون يبحثون المشاكل الاجتماعية علميا وعقليا، والأدباء يمدونهم بتهييج المشاعر والعواطف نحو الإصلاح.

على هذا سار الأدب الغربي نفسه الذي نقلده، ففيه الأدب الغنائي وفيه الأدب الاجتماعي، فيه شرح عاطفة الحب وفيه قصة تمثل بؤس الكوخ وشقاء العامل، وفيه «اليوتوبيا» التي تصور مجتمعا أسعد من مجتمعنا الحاضر، فلم نقلده في الأول، وإذا قلدناه في الثاني صورنا غير بيئتنا ولم نصدر عن مجتمعنا؟

وأخيرا مشكلة ثالثة في الأدب،

وهي التي أشرت إليها في مشاكلنا اللغوية وهي أن أدبنا كله أدب الخاصة، وليس فيه شيء للعامة، ومعنى ذلك أننا نغذي بالأدب عشرين في المئة من الشعب أو أقل من ذلك ونترك الثمانين في المئة من غير غذاء، وهذه حالة في منتهى الخطورة، فالغذاء الأدبي ضرورة من ضرورات الحياة لكل إنسان، لا يصح أن يستغني عنه إلا الحيوان، وضعف الغذاء الأدبي يضعف الرأي العام ويجعله ضحية للمهوشين من السياسيين والدجالين والمخرفين، ثم هو أيضا يدعو إلى سوء تقويم الأشياء قيمة صحيحة، فالشيء التافه يقوم بأكثر مما يقوم الشيء الخطير، كما إذا مرض المريض فلا يعنى بعلاجه واستدعاء الطبيب له، ولكن إذا مات أقيم له المأتم وصرف عليه أضعاف أجرة الطبيب وثمن الدواء، ومثل هذا كثير، كما أنه هو السبب في عدم انضباط العواطف وتهيجها لأتفه الأسباب وسكونها عند أقوى الأسباب، فهو قد يقتل للتعدي على نوبته في الماء ثم لا يتحرك إذا أهدرت كل حريته، وهكذا.

جمهور الشعب لا يصل إليه الأدب إلا أدبا سخيفا عن طريق الغناء السخيف أو نحو ذلك. أما أدب يثقفه ويعلي مستواه ويرقي ذوقه ويهذب عواطفه فلا، وليس عندنا أديب للعامة وإنما كل أدبائنا للخاصة.

والسبب في ذلك هو ما ذكرت قبل من وجود لغتين، لغة عامية ولغة فصحى، وأننا إلى الآن لم ننجح في التوفيق بينهما، ولم ننجح في محو الأمية ولا قربنا من محوها، والبرامج البراقة توضع على الورق ثم تنام نوما عميقا عند التنفيذ.

ثم نحن لا نعترف بالواقع فنقرر أن السواد الأعظم أمي، ويجب أن يتغذى بالأدب، فنعمم الراديو مثلا في القرى ونحدثه بلغته العامية ونثقفه بها ونقص عليه قصصا أدبيا بها، فنحن نترفع عن ذلك حرصا على اللغة الفصحى من الفساد واستمساكا بالأرستقراطية الفكرية واللغوية، وفي الوقت عينه لا نغزو الجهل والعامية فنعمم التعليم باللغة الفصحة.

لا هذا ولا ذاك وتركنا الأمور تجري مجراها وقنعنا بالأدب يقدم للعدد القليل المحدود وتركنا السواد الأعظم من غير غذاء.

ولا أمل في إصلاح هذا إلا بحل مشكلة البرزخ بين اللغتين أولا، ومواجهة الواقع ثانيا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٦٥