وسبب آخر وهو أن هذه المجاميع والهيئات اعتقدت أن مهمتها وضع الكلمات الاصطلاحية في العلوم المختلفة، وهي مهمة تنوء المجامع بحملها وليس في طبيعة تكوينها ما يمكنها من ذلك، وإنما الطريقة المثلى أن يضع الكيمياويون ألفاظهم الكيمياوية ويتعاون الكيمياويون في العالم العربي على ذلك بشتى الوسائل وكذلك يفعل الطبيعيون والجيولوجيون وعلماء الحيوان والنبات ثم يعرض ما وضعوه على المجامع لإقراره أو تعديله أو تهذيبه حسبما يرشدهم إليه ذوقهم اللغوي، فإذا تم ذلك كان إقرارهم قانونا بهذا يسهل العمل ويسرع، وبهذا يكون العمل في يد الإخصائيين أولا وهم أدرى بالمعاني والمصطلحات المناسبة. أما أن نكلف لغويا وضع مصطلح كيمياوي وطبيعي وجيولوجي فضرب من العبث والبطء الذي لا نهاية له، ولا بأس أن يكون للمجامع الإرشاد العام لا وضع الجزئيات ابتداء، فصاحب كل بيت أدرى بما فيه.
ثم على كل هيئة كيمياوية وطبيعية وجيولوجية أن تضع معجمها الخاص بها، ثم تأخذ المجامع الألفاظ الكثيرة الشيوع الدائرة على ألسنة الناس والكتاب فتدخلها في المعاجم العامة بتعاريفها التي عرفها علماؤها مضافا إلى مجهود المجامع في تحديد معاني الألفاظ تحديدا يتفق وتقدم العلم وتطور المعاني والأشياء، فنحن إلى الآن لا نزال في حاجة قصوى إلى معاجم تجاري الزمن فنحدد الحيوان والنبات والأشياء وفقا لما وصل إليه العلم الحديث، ووفقا لما تطورت إليه مدلولات الألفاظ في المدنية الحديثة، فقد أصبح مثلا للجامعة والكلية والمطبعة والحكومة والمحكمة والاشتراكية والشيوعية والحوالة والصك والمدرعة والقنبلة ونحوها من مئات الكلمات معان جديدة لم يكن يعرفها العرب ولا صاحب القاموس ولسان العرب، وإنما نعرفها نحن، ومعاجمنا يجب أن تصنع لنا ولأبنائنا وتشرح شرحا دقيقا ما تدل عليه كلماتنا، وقد آن الآوان لمواجهة هذه المشكلة وحلها حلا سريعا. •••
المشكلة الثانية
الخطيرة التي نواجهها في اللغة مسألة البرزخ الذي بين اللغة العامية واللغة الفصحى، وهي مشكلة قد تبدو صغيرة ولكنها في نظري من أخطر المسائل وأهمها، وذلك لما لها من أثر كبير في حياتنا العقلية والأدبية، سواء في الخاصة أو العامة، وهي مشكلة قديمة نشأت في العصور الإسلامية الأولى منذ وجدت اللغة العامية بجانب الفصحى وصعب على الأعاجم الإعراب فابتدعوا الوقف أي تسكين أواخر الكلمات، كما ابتدعوا أشياء أخرى مختلفة باختلاف البيئات تبعا لاختلاف هؤلاء الأعاجم الذين خالطوا العرب، ولكن لم يشعر الأقدمون بهذه المشكلة كما نشعر بها نحن الآن، لأن العلم كان حظ عدد قليل من الناس، ولأن الحياة الاجتماعية منذ العهد الأموي كانت حياة أرستقراطية، حياة طبقات، في المال وفي المناصب، وفي الثقافة وفي العلم والفن والأدب، وكان يتقبل هذا على أنه وضع طبيعي حدده القدر، فلما سادت العالم موجة الديمقراطية وصلت للشرق أيضا وكان من تعاليمها حق الشعب في التعلم كحقه في الحياة، وليس يصح أن يكون في الأمة أمي وغير أمي، وهناك حد أدنى في الثقافة يجب أن يصل إليه أفراد الشعب مهما كان مستواهم الاجتماعي إذ ذاك أدركنا خطورة وجود لغتين: عامية وفصحى، وأن هذا أحد العوائق التي تعوق التقدم الثقافي وذيوعه.
إن ثنائية اللغة بهذا الوضع مشكلة لا يواجهها الغرب كما نواجهها، للقرب الشديد بين لغة كلامه ولغة قراءته، فما على الغربي إلا أن «يفك الخط» حتى يفهم ما يقرأ إذا كان مستوى ما يقرأ مناسبا لعقليته، ولكن عامينا إذا قرأ صادف الإعراب الصعب وصادف كلمات فصحى لم يسمع بها، وصادف أسلوبا لم يعتده، وهذا من غير شك يجعل انتشار الثقافة العربية لا مستحيلا ولكن صعبا، حتى إذا قرأ قارئ للعامي كتابا أو صحيفة أو استمع للإذاعة لم يستطع أن يستوعب ما يقال استيعابا كاملا ولو كان ما يقال في مستواه العقلي.