على كل حال أمامنا الآن مشاكل لغوية كثيرة أهمها:
أولا:
هذا السيل الجارف من آلاف الكلمات تضعها المدنية الحديثة لكل ما يجد من آلات وأدوات وتراكيب طبية ومواد كيمياوية، هذا إلى ما تضعه من آلاف الكلمات في مصطلحات العلوم المختلفة من اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسيه إلخ، ولا بد للغتنا أن تساير هذه اللغات الغربية كما تساير حضارتنا حضارتهم، إذ اللغة ليست إلا ثيابا يجب أن تتسع كلما اتسع الجسم وإلا لم تكن ثيابا صالحة.
وكما توسعت اللغات الأوربية في مواجهة كل جديد بوضع كلمات له، توسعت أو عدلت في معاني الكلمات القديمة فعددت معانيها وحددتها بحسب تقدم العلم وتطور الأشياء؛ فمثلا تعريف الذرة اليوم غير تعريفها منذ عشر سنين بسبب تقدم العلم، وتعريف الشعور والعاطفة والإرادة والعقل ونحو ذلك متطور بتطور علم النفس وتقدمه، وتعريف المؤتمر والحرية والمجلة والمطبعة ونحوها يختلف باختلاف تطور هذا الأشياء ومدلولاتها، فكانت معاجم اللغة عندهم متغيرة كل حين يتغير هذين العاملين: أعني المخترعات الجديدة ووضع ألفاظ جديدة لها، وتعديل المعاني وتحديدها بتغير مدلولها.
واجهت لغتنا العربية هذه المشكلة الكبرى من نحو مئة عام أو قبل ذلك، من حين الحملة الفرنسية ومن حين رأى الجبرتي المخترعات الفرنسية الحديثة فحار في تسميتها، وكلما مر يوم تعقدت هذه المشكلة وصعب حلها، ومعاجمنا لم تصلح إلى اليوم، والألفاظ الجديدة لم توضع إلى اليوم، وكل ما فعلنا أن بدأ بعض الأفراد يضعون كلمات لما يقابلهم في طريقهم من غير خطة مرسومة، وبدأت المجامع تتكون في مصر والشام وتواجه هذه المشكلة، وكان طبيعيا أن تتوزع الآراء بين محافظين يرون أن القواعد التي وضعها الأقدمون من اللغويين يجب مراعاتها والسير الدقيق عليها وعدم الخروج عنها، وأحرار يرون أن هذه القواعد لا تكفي لمواجهة الحالة الجديدة، ويجب أن يكون لنا الحق في الاجتهاد ولو خالف الأقدمين، وأن نأخذ من قواعدهم ما صلح ونزيد عليها ما يصلح لمواجهة حالتنا، وأن اللغة ملك لنا ولسنا ملكا للغة، وكل ما يجب علينا هو أن نراعي المحافظة على العناصر الأساسية والمقومات الشخصية لكل لغة، فلا نسمح للرطانة والعجمة أن تكتسحها، وأمامنا التعريب والنحت والاشتقاق وزيادة بعض الحروف على بنية الأصول، وهي الطرق التي استعملها القدماء فلنستعملها الآن، ولنعرب كما عربوا وننحت كما نحتوا ونشتق كما اشتقوا، بل ولنضع ألفاظا جديدة نخلقها خلقا إذا اقتضى الحال كما فعل العرب أنفسهم إذ كانوا يلحظون في الشيء بعض صفات فيطلقون عليه لفظا مناسبا، فسموا نباتا الظفرة لأنه يسب الظفر عند طلوعه، وسموا نباتا العطف لأنه يعطف على الشجر ويلتوي عليه كاللبلاب، وسموا الثور ثورا لأنه يثير الأرض وهكذا. وهذا باب واسع إذا فتحناه لأنفسنا أغنانا عن كثير من التعريب ولنتوسع في مدلول الكلمات عند الضرورة ولنعرف الكلمات في معاجمنا تعريفا جديدا كالذي دل عليه العلم، وكل ما في الأمر ألا نتوسع في هذه الباب توسعا يطغى على كيان اللغة، وألا يكون الأمر في يد كل فرد يقول ما يشاء، بل لا بد أن يكون في يد أهل الاجتهاد الذي تكون لهم ذوق لغوي ممتاز يستطيعون به أن يلحظوا إيماء اللفظ ودلالته ومناسبته وجماله.
وربما كانت هاتان النزعتان نزعة المحافظين والأحرار باقيتين إلى اليوم من غير تلاق.
وننظر بعد ذلك كله فنرى المشكلة لا تزال قائمة، بل تعقدت وتركبت، فالكلمات التي أقرها الأفراد والجماعات بالتعريب والنحت والاشتقاق والتوسع أقل بكثير مما خلقته أوربا من الأشياء وألفاظها ومعانيها وأسمائها.
وأحسب أن عدم حل هذه المشكلة يرجع إلى أن الأمور في هذه المسألة سارت في العالم العربي سيرا مهوشا من غير ضابط، فليس هناك اتصال وثيق بين المجامع ولا بين الهيئات ولا بين الأفراد، واللغة ملك للعالم العربي كله، والكلمة تصطلح عليها أمة يجب أن تصطلح عليها جميع الأمم العربية لما بينهم من ضرورة التفاهم، والمأمول وقد تكونت جامعة الأمم العربية أن ترسم خطة محكمة لتعاون المجامع والهيئات على تذليل هذه الصعوبات.