وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد رغبوا علينا
إذا أرادوا فتنة أبينا
حتى إذا جاءت الأحزاب إلى المدينة رأوا الخندق قد أعد والحيطة قد تمت، فلم يستطيعوا أن يدخلوا المدينة وإن تجمعوا في أسفلها وأعلاها، وحاول قوم أن يقفزوا بخيلهم من أضيق موضع في الخندق فتصدى لهم المسلمون وقتلوا بعضهم فكر بعضهم راجعا.
وكان الفصل شتاء، والبرد قارس، والرياح عاصفة، وليس بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، واستمروا على ذلك بضعة وعشرين يوما من أشد الأيام على المؤمنين، ثم دب الفشل واليأس في نفوس الأحزاب، واندس بعض الذين أسلموا ولم يعلموا إسلامهم يبث الوقيعة بين اليهود وقريش واليهود وغطفان، وزاد الأمر سوءا بين الأحزاب عدم توحد القيادة، وفقدان الثقة بين بعضهم وبعض، وسوء الحالة الجوية ويأسهم من وصولهم إلى نتيجة حاسمة في أمد قريب، فرجعوا خائبين
ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا .
ثم هاجم المسلمون بني قريظة لنقضهم العهد وموالاتهم للأعداء من الأحزاب وشدة خطرهم على المسلمين لقربهم منهم في المدينة، فقتلوا بعضا وأسروا بعضا
وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا . •••
أما بعد فالرواية واحدة تمثل في أمكنة مختلفة وأزمنة مختلفة وبأشخاص مختلفين.
لقد كان المسرح المدينة فصار فلسطين، وكانت الرواية تمثل في القرن السابع، ثم ها هي يعاد تمثيلها في القرن العشرين، وكان يظهر على المسرح حيي بن أخطب وأمثاله والآن يظهر ويزمان وأمثاله.
وكان القوم يؤلبون جزيرة العرب، واليوم يؤلبون إنجلترا وأمريكا، وكانوا يحلمون حلما جميلا رائعا، واليوم يحلمون حلما جميلا رائعا وكان إذ ذاك منافقون، وكان اليوم منافقون، وكانوا يجدون ولا يتورعون، واليوم يجدون ولا يتورعون.
ولكن ...
هل تكون نتيجة اليوم كنتيجة الأمس؟
أما إ ذا اتحدت المقدمات فلا بد من اتحاد النتائج، وإن اختلفت اختلفت.
وقد كانت مقدمات الأمس إيمانا صادقا ويقظة قوية ووحدة كلمة وعملا متواصلا من الزعيم إلى الأتباع، وصبرا على احتمال الأذى لسمو الغاية، وسد الآذان عن قول الدساسين والمنافقين، وابتكار الأساليب لإفساد الخطط، وبعد النظر في العواقب، وقد علمنا «المنطق» أن المقدمات المتشابهة تنتج نتائج متشابهة، وأن المقدمات تخلق خلقا والنتائج تأتي لزاما.
فهل تحدث المقدمات في القرن العشرين كما حدثت في القرن السابع فتمثل الرواية اليوم كاملة كما مثلت من قبل كاملة؟
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
1
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون .
| مشاكلنا اللغوية والأدبية
يواجه العالم العربي اليوم مشاكل خطيرة في اللغة والأدب تتطلب حلولا حاسمة سريعة.
والسبب الأكبر في هذه المشاكل أننا نواجه عالما جديدا، قد قطع في المدينة والحضارة شوطا بعيدا، وقد تطور العالم في القرن التاسع عشر ونصف العشرين ما لم يتطوره في قرون مضت.
واللغة والأدب ما داما حيين لا بد أن يتطورا مع المدينة ويسيرا بجانبها ويتفاعلا معها، إذ هما عنصران من عناصرها ومقومان من مقوماتها.
وقد يكون هناك بعض الشبه بين الموقف الآن وموقف اللغة العربية والأدب العربي في العصر الإسلامي الأول يوم خرجا من الجزيرة العربية وواجها مدنية العراق والفرس والروم، وإن كان هناك بعض الفروق بين الموقفين، منها أن العرب قابلوا هذه اللغات واللغة العربية يومئذ لسانهم وهي ملكهم يتصرفون فيها تصرف المالك، ونحن نواجه المدنية الحديثة واللغة العربية لنا بالتعلم لا بالسليقة، وقد سبب هذا ضعفنا في الشعور بملكيتنا لها أقعدنا بعض الشيء عن العمل، وحملنا على الجمود، ومنها أنهم واجهوا المدنية إذ ذاك وهم غزاة فاتحون، ونحن واجهناها ونحن مغزوون مفتوحون، والشعور الأول يدعو إلى العزة والعزة تدعو إلى الجرأة، والشعور الثاني يدعو إلى الضعف، والضعف يدعو إلى التردد منها أن المدنية الحاضرة أكثر تركبا وأشد تعقدا، والحضارة الحديثة مقبلة والحضارات القديمة كانت مدبرة، الحضارة المعقدة المركبة المقبلة أكثر إنتاجا وأصعب حلا وأكبر عبئا عند الاحتياج إلى مسايرتها.