تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا استقر الرأي على أن السبب في فشل القضاء عليه هو محاربته الجزئية لا الإجماعية، فيوما تحاربه قريش، ويوما يحارب هو اليهود، فالخطة المثلى هي تأليب العرب كلهم عليه، وتحديد زمن لتحرك القبائل كلها، وعسكرتهم حول المدينة، وانضمام اليهود إليهم في ذلك، فإذا أحكمت هذه الخطة، واجتمع العرب من جميع الأطراف بقضهم وقضيضهم، وانضم إليهم اليهود، فهلاك محمد وصحبه أمر لا شك فيه، ثم قالوا: لنرسل منا من اليهود إلى كل قبيلة من هو صديق لها وتربطه بها رباطة مالية أو تجارية أو نحو ذلك، ولنبدأ بقريش فإذا قبلت الفكرة ذهبنا إلى القبائل الأخرى نشجعها بإخبارها أن قريشا قد قبلتها فتقبلها، وتعاقدوا على التنفيذ. •••

هذا وفد يهودي من سلام بن مشكم وحيي وابن أبي الحقيق وهوذة يدخلون مكة ويفاوضون أبا سفيان وصحبه في الخطة التي وضعت، فيتحرك ضمير بعض رجال قريش، ويرى أن الحرب بينهم وبين محمد حرب دينية من بعض نواحيها، فإذا كان دين محمد خيرا من دين قريش وقضينا عليه وعلى دينه لم نجن خيرا، لهذا سألوا اليهود: «إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟» قالوا: «بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه».

وهكذا لم يتورع اليهود أن يقرروا أن دين الأوثان خير من دين التوحيد، لأن المسألة في نظرهم ليست مسألة حق يضحى في سبيله بشيء من الصدق، ولكن مسألة مغنم يضحى في سبيله بكل حق.

فلما اتفقوا مع قريش وتواعدوا على وقت الهجوم سهل عليهم الاتفاق مع غيرهم، فذهبوا إلى «غطفان» وأخبروهم بالاتفاق مع قريش، فأجابوهم إلى الدخول في الحلف؛ وهكذا ألبوا جزيرة العرب على المسلمين في المدينة ووضعوا تفاصيل الخطط وحددوا الزمن. •••

كل الدلائل تدل على نكبة عظمى واستئصال شنيع، ولو استفتي المنطق لأفتى بأن المسلمين سيقضى عليهم قضاء مبرما. فماذا يفعل ألف أو ألفان أو نحو ذلك من المسلمين ومعهم ستة وثلاثون فرسا، أمام هذه الجيوش من الألوف المؤلفة وجيش قريش وحدها بأحابيشها يبلغ عشرة آلاف، وحالة «المدينة» نفسها قلقة مضطربة؛ فبنو قريظة من اليهود بجوار المسلمين يستعدون للوثبة إذا رأوا الفرصة، والمنافقون يندسون بين المسلمين يثبطون الهمم ويضعفون العزائم ويتنادون عليهم: «هذا الذي وعدكم كنوز كسرى وملك قيصر»؛ فعدو أي عدو في الخارج وعدو أي عدو في الداخل، والموقف حرج والحياة كرب، وهذا ما يصف القرآن:

إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا . ولكن رسول الله والخلاصة من صحبه ما وهنوا ولا استكانوا ولا تطرق الشك إلى نفوسهم، بل زادت نفوسهم صفاء عند الشدائد

ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما . •••

والله لا يهب نصره للضعفاء، إنما يهبه عند بذل الجهد وإحكام العمل وتضحية النفس والمال للعقيدة، أما غير ذلك فإيمان أجوف.

لقد سمع رسول الله وهو اليقظ لكل ما يجري بما بيتت له جزيرة العرب، وعلم أن مقابلة القوة بأضعافها قد لا تجدي، فتشاور هو وأصحابه في الموقف فاستقروا على حفر خندق حول المدينة يمنعون به الأعداء من دخولها، وكان هذا الخندق أول ما عرف في جزيرة العرب.

فها هم المسلمون يهبون بكل قواهم لحفر خندق، لا يتخلف أحد، ورسول الله في طليعتهم، يحفر كما يحفرون «حتى وارى الغبار جلدة بطنه» ويبث فيهم القوة والاحتمال بالغناء بالأراجيز كأرجوزة ابن رواحة.

والله لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥٩