تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللغة مع أنها من نتاج الحياة وخاضعة لها فيها صفة المحافظة والتخلف والميل إلى الوقوف، لا تندفع مع الحياة وتسايرها إلا بدفعة من أبنائها الأقوياء. ثم اللغة تختلف معاني كلماتها باختلاف الأفراد والطبقات مهما جهدت المعاجم في تحديد معانيها، وتختلف عند العامة والخاصة. فكل لغة ليست لغة واحدة وإنما هي في الحقيقة لغات، وقد يكون للكلمة معنى عند بعض الجماعات في مستوى عقلي خاص، فإذا انتقلت الكلمة إلى جماعة أرقى عقليا تطور معناها. وبالغ بعضهم فقال إن لكل إنسان لغته كما له وجهه. وعلماء اللغة ميالون إلى مراعاة وجوه الاتفاق أكثر من مراعاة وجوه الخلاف، ومراعاة التعميم أكثر من مراعاة التخصيص.

إن كل جمعية حية تعمل للانتفاع بلغتها وتسييرها في خدمتها وتبذل جهدا كبيرا لتكميلها من النقص وجعلها صالحة للحياة المتجددة.

وكذلك بحثوا بحثا مستفيضا في علاقة اللغة بالمدنية: أكلما رقيت المدنية رقيت اللغة؟ وأداهم ذلك إلى الوقوف عند المدنية: ما معناها، واللغة ما معنى تقدمها؟ إلى كثير من أمثال ذلك.

فإذا نحن نظرنا إلى اللغة العربية في ضوء ما عرضنا تولانا الجزع من تخلف لغتنا عن مسايرة حياتنا. فالمعاجم التي هي سجل للكلمات المستعملة الصحيحة لا تفي بحاجتنا ولا نصفها، ووقفت عند العصر العباسي، بل إن واضعي المعاجم في تلك العصور أبوا أن يدخلوا فيها كلمات كثيرة وردت في كتب الأدب والعلوم مما كان يستعمله العلماء والأدباء العباسيون، وأغمضوا عيونهم عن الأشياء المادية والمعنوية التي خلقتها الحضارة العباسية، ولم يعترفوا إلا بالألفاظ البدوية وما استعمل قبل الاختلاط بالأعاجم، وغفلوا عن أن اللغة تابعة للحياة يجب أن تنمو بنموها وأن الأمة إذا تقدمت لا يصح أن تكون أسيرة للقدماء قبل أن يتقدموا، وأن ما يملكه البدائي في خلق اللغة يجب أن يملكه وأكثر منه المتحضر العالم. ولعل ما أداهم إلى هذا الموقف إيمانهم بالنظرية الساذجة، وهي أن اللغة توقيف لا وضع، وأنها خلقت دفعة واحدة وانتهت، وقد كان عمل الأقدمين في قصر ما يأخذون على القبائل التي لم تختلط بغيرها عملا جليلا من ناحية فهم اللغة العربية في أصلها وفهم الكتاب والسنة والشعر القديم؛ ولكن قصر مؤلفي المعاجم أنفسهم على هذا خلط بين غرضين؛ فالغرض الأول معرفة اللغة في أصل استعمالها، والغرض الثاني تسجيل ما يصح أن يتكلم الناس به، وفي الغرض الثاني تكون لغة الحضر أوفى وأنفع في الاستعمال من لغة الوبر؛ فبحثنا اللغوي الاجتماعي البسيط سيؤدي بنا حتما إلى المناداة بدفع اللغة أن تقفز من العصر العباسي إلى يومنا، وأن تفسح صدرها لحاجتنا، وأن تتطور لتكون في خدمتنا، وأن يقر أهلها بأن رجال لغتها لهم الحق أن يعربوا كلمات وأن يخلقوا كلمات، وأن يشتقوا كلمات حتى يواجهوا موقفهم الحاضر، فلا تتخلف عقليتهم كما تخلفت لغتهم، كما سيتضح من أول بحث لغوي اجتماعي أن تقدم الأمة تقدما حقيقيا مستحيل ما لم تتقدم اللغة وتستخدم في مصلحتها وتملأ كل فراغ موجود الآن من أسماء الماديات والمعنويات وما ولدته القرون الأخيرة من أفكار ومخترعات، كما سيتضح أن الأمة لا ترقى إذا كانت لغتها لا تصلح إلا لخاصتها دون عامتها؛ فالعصر الذي نعيش فيه ديمقراطي، لكل فرد الحق فيه أن يتعلم وأن يتثقف، وواجب الحكومات فيه أن تعلمه وتثقفه؛ ولا يمكن تثقيف الشعوب وتعليمها إلا بمرونة اللغة وتبسيطها وجعلها صالحة للشيوع والذيوع وحمل المعاني والأفكار والعلوم حملا قريب المنال. •••

ثم آخرون من اللغويين الاجتماعيين اتجهوا في بحثهم إلى الناحية الاجتماعية الروحية فللكلمات والجمل روح فعالة في النفوس غير معانيها التي في المعاجم؛ والفرق بين المعنى المعجمي والمعنى الروحي كالفرق بين النحوي في نظرته إلى تركيب الجمل وعوامل الرفع والنصب والجر والجزم وبين الفنان الذي يتذوق جمال الكلمات وجمال الأسلوب؛ وهذه الناحية الروحية للغة هي التي استخدمها ومهر فيها المتصوفة في أساليبهم، ورجال الدين في وعظهم وإرشادهم وأمرهم ونهيهم وترغيبهم وترهيبهم، ورجال الشعر في خيالهم ورجال الخطابة في خطاباتهم. وكما كان في كل ناحية من النواحي مهرجون ومزيفون كان مزيفوا هذه الناحية المشعوذين بالرقي والتعاويذ وأسماء الجن التي لا معنى لها، وهي مع ذلك تؤثر بروحها الضالة في النفوس الضعيفة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥٦