تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واتجهت طائفة أخرى إلى العلاقة بين اللغة والمنطق. فاللغة ليست وظيفتها فقط نقل المعنى من ذهن إلى ذهن، ولكن لها وظيفتان أساسيتان: فهي إما إخبارية تنقل المعنى من ذهن إلى ذهن ككلامنا العادي وكصحيفة الحوادث الداخلية والخارجية في الجرائد وككتب العلوم مثل الرياضة والطبيعة والفلك وما إلى ذلك، وإما «ديناميكية» أي قوة محركة للعواطف. والناحية الأولى عقلية والناحية الثانية شعورية للتحدث عن العواطف أو تهييجها، فإذا قلت إن الإنسان حيوان ناطق فهو من الضرب الأول، وإذا قلت إنه حشرة أو قلت إن النساء ملائكة أو شياطين فهو من الضرب الثاني.

وكان هذا أساسا لبحوث كثيرة واسعة للتفريق بين القضايا الإخبارية والقضايا العاطفية وما تؤديه كل منها، وهل قضايا الأخلاق من النوع الأول أو الثاني، وبيان أن لغة الشعر من الضرب الثاني، وما يتطلب ذلك من ألفاظ خاصة وأسلوب خاص، وبيان الخطأ في استعمال اللغة الإخبارية محل العاطفية والعكس؛ كما أداهم هذا إلى البحث الواسع في معاني الألفاظ على هذا الأساس وأثر القضايا المختلفة في العقل وفي المشاعر وكيفية بناء اللغة وتركيبها، وكيفية بناء الحقائق وتركيبها، وكيف يتلاقى بناء اللغة مع بناء الحقائق، ولماذا تتبع اللغة قواعد خاصة في بنائها دون غيرها، وهل لذلك سبب نفسي إلخ.

وناحية أخرى توجه إليها بعض الباحثين وهي أن أهم بحث في الفلسفة «نظرية المعرفة» أي كيف نعرف الحقائق، ولهذا اتصال وثيق باللغة، فما لم يعثر على الحقيقة لا يمكن أن يقال إنها حق أو باطل؛ وقد ذهب بعض الفلاسفة المعاصرين إلى أن أكثر مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يرجع إلى استبداد الألفاظ بنا وتحجرها وضياع الحقائق وراءها، وفلسفة اللغة كفيلة بإظهار هذا. ثم بحثت هذه الطائفة أيضا في الرمزية وفي نظرية أن كل لغة ليست إلا رمزا للحقائق والأشياء والمعاني وإن كانت تختلف الموضوعات في مقدار الرمزية فيها، فلغة الشعر ولغة الدين ولغة ما وراء الطبيعة أكثر رمزا؛ وبحثوا خاصة في لغة ما وراء الطبيعة ورمزيتها، إذ بدون شرح الرمزية فيما وراء الطبيعة يصبح الكلام فيها ضربا من الخيال وسبحا في الأوهام لا يدل على حقائق ثابتة معينة، وهكذا. (3) الاتجاه الاجتماعي

هناك اتجاه ثالث وهو الاتجاه الاجتماعي، وذلك من حيث إن اللغة نظام اجتماعي كالأسرة والدين والحكومة إلخ، لها أثر كبير في حياة كل جماعة وكل أمة. فهي واسطة الاتصال بين كل شخصين وكل جماعة، وهي التي تمد الإنسان بالمعلومات والمعارف التي وصلت إليها الأجيال السابقة والحاضرة، وهي التي ترعى الإنسان وتتعهده بالرقي من حين طفولته إلى حين وفاته ومن عوامل رقي الأمم وانحطاطها لغتها، فأدب كل أمة قويا كان أو ضعيفا يطبع الناس بطابعه؛ ولو نزل غريب ببلد وكان يعرف لغتها واطلع على جرائدها ومجلاتها وكتبها المؤلفة في عصرها الحاضر وأساليب أحاديثها لاستطاع أن يحكم لها أو عليها حكما صادقا بدرجة رقيها أو انحطاطها؛ فاللغة هي التي تصور رغبات الأمة وعواطفها ودينها وعقليتها وشهواتها وكل شيء فيها، وتنقل ذلك من الفرد إلى المجموع ومن المجموع إلى الفرد، فيتفاعلون كما تتفاعل عناصر الكيمياء. وبدون اللغة (وأعني باللغة كل وسائل التفاهم من إشارة وإيماء وكلام) يكون الإنسان بجانب الإنسان كالحجر بجانب الحجر. إنما يربط بينهما اللغة، وهي التي توحد بين الجماعة في المشاعر والأفكار؛ ولذلك تجتهد كل أمة حية قوية أن تنشر لغتها في أوسع مدى ممكن علما منها بأن ذلك من وسائل التفاهم وسهولة التعامل وعظم التقدير وخاصة من الضعيف للقوي.

هذه الناحية التي عرضتها عرضا بسيطا كانت مجالا لطائفة من العلماء بحثوا فيها كثيرا من المسائل اللغوية الاجتماعية بحثا مستفيضا: ما الذي تقوم به اللغة في مجال الرقي العقلي؟ - إن اللغة نتيجة طبيعية من نتائج الحياة الإنسانية فكيف تستمر الحياة في تغذية اللغة من بداوة إلى حضارة ومن حضارة أولية إلى حضارة راقية حتى تساير الإنسان في نموه ورقيه؟ - لقد راقبوا اللغة مراقبة دقيقة في نشوئها ورقيها، وعرفوا كيف نمت بنمو الحياة وكيف تدرجت من تعبير عن العواطف إلى لغة عمل وأمر ونهي، إلى لغة علم وأدب، وهكذا، وسجلوا في ذلك نتائج قيمة في هذا التطور.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥٥