تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عكف هؤلاء الذين اتجهوا هذا الاتجاه الاجتماعي الروحي على البحث في الدور الذي تقوم به اللغة في الأديان وفي الشعر وفي العلم، وما للغة من ناحية باطنية تخلقها عواطف الفرد والأمة، وناحية ظاهرية يتفاهمون بها في معاملاتهم ومحادثاتهم، وأن هناك صراعا دائما بين الناحيتين؛ وهذا قادهم إلى البحث في لغة الأمة وأثرها في عواطفها وعقلياتها. وعلى الجملة فقد كان من مباحثهم أيضا اللغة الشفوية في المحادثة واللغة المكتوبة والفرق بينهما من حيث التأثير النفسي واللغة والبيئة الطبيعية والاجتماعية التي نشأت فيها، واللغة والدين، والناحية العملية والناحية الميتافيزيقية للغة، واللغة والشعور القومي، واللغة والشعر إلخ. وإذا كان هذا البحث حديثا فقد وصلوا فيه إلى نظريات لا تزال مجالا للأخذ والرد، ولم تستقر بعد. (4) الاتجاه التربوي

حدد علماء التربية غرضهم الذي ينشدونه من تعليم اللغة؛ وهو أن يمكنوا المتعلم في أقصر زمن ممكن وبأقل جهد ممكن أن يفهم فهما صحيحا ما يسمع وما يقرأ، وأن يعبر عن نفسه تعبيرا دقيقا فيما يلفظ وفيما يكتب.

وهذا الغرض المحدود شعب البحث في أركانه وهي اللغة وطبيعتها والمتعلم وطبيعته والمعلم وطبيعته ومناهج تعليم اللغة؛ فالبحث في اللغة ومزاياها وعيوبها وما فيها من وجوه قوة وضعف يساعد كثيرا على وضع منهج التعليم، والمتعلمون يختلفون في المقدرة على تعلم اللغة، والمعلمون يختلفون في المقدرة على تعليمها؛ فما هي ملكات اللغة وكيف تدرس ويوضع لها المناهج المختلفة؟ وما هو المثل الأعلى للبرنامج وكيف نضعه؟

قد وصلوا من هذا إلى بحوث طويلة عريضة، وقد استغل الباحثون استغلالا بديعا البحوث والنتائج التي وصل إليها علماء النفس والاجتماع، وهذا باب من أنفع الأبواب. فالإصابة في تعليم اللغة القومية يكون الأمة في تفكيرها ويعودها الدقة والنظام فيما تقول وتكتب وتفعل، وإذا فشت في أمة الفوضى في التفكير والكلام السائح غير المنضبط والإقبال على الأدب الرخيص دون ما يتطلب الجهد كان من أهم أسباب ذلك فساد تعليم اللغة القومية، كيف تبدأ في تعليم اللغة، وكيف تتدرج مع المتعلم منذ الطفولة إلى أن ينتهي من مراحل التعليم، وكيف أكون للمتعلم معجمه وكيف أضبط فهمه وأضبط لسانه وأضبط كتابته في أقرب زمن وبأقل جهد؟ هذا ما يحاول هذا الاتجاه الإجابة عنه بشتى البحوث وشتى التجارب التي تشبه تجارب الطبيعة والكيمياء.

وأكتفي من هذه الناحية بهذه اللمحة.

لعل في هذا العرض السينمائي عبرة، فلغتنا العربية العزيزة علينا، والتي تكوننا ونكونها، والتي يبلغ عدد المتكلمين بها نحو سبعين مليونا تتطلب من أبنائها البررة مجهودا جبارا في مثل هذه النواحي التي ذكرت.

تتطلب معجما واسعا تستغل فيه كل الدراسات التي عملت في اللغات المختلفة وخاصة اللغات السامية والفارسية لمعرفة أصل الكلمة ومم أخذت وكيف تطورت على مر الزمان معجما لا يقف عند كلمات العرب الأقدمين ولا كلمات واستعمالات العباسيين، بل نجذبه من حيث وقف على بعد ثمانية قرون إلى حيث نحن وحيث نحيا وحيث نستعمل وحيث نفكر.

وتتطلب اللغة العربية دراسة نفسية وفلسفية واجتماعية على النحو الذي ذكرت.

وتتطلب من رجال التربية أن يقولوا بعد البحث والتجارب كيف نعلم لغتنا على خير وجه وكيف نتغلب على صعوبتها.

إن اللغة العربية تتطلب منا كل ذلك، وليس إصلاح اللغة العربية من هذه الجهات ينتج تقويما للقلم واللسان فقط، بل هو أيضا إصلاح للأمة في تفكيرها وفي خلقها وفي عقليتها وفي مشاعرها، إن تعليم عدد قليل من الأمة لغات أوربية يقرءون فيها ويستنيرون بها قليل الأثر في حياة الأمم، إنما الأثر الأكبر للغة القومية التي يفكر بها الشعب بأجمعه وترفعه أو تضعه، وتحيي عقله وشعوره أو تميته، وليست الأمة تصلح بنقل بعض أفرادها إلى حيث النور، ولكن ننقل النور إلى حيث الأمة كلها حتى يتبدد الظلام.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥٧