تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أدتهم سعة علمهم بلغات كثيرة من لغات العالم قديمها وحديثها إلى البحث في تقسيم اللغات إلى فصائل، كل فصيلة لها خصائصها وفروقها وموافقاتها، والخلاف بين العلماء كذلك طويل في الأساس الذي يجب أن يبنى عليه التقسيم مما لا يتسع له المقام. •••

وقد استغلوا هذه البحوث والنتائج في معاجمهم، فكان لكل أمة عظيمة معجم بل معاجم واسعة تبين أصل كل كلمة ، ومن أي لغة أخذت، والمعاني الأصلية للكلمة والمعاني الفرعية التي تطورت إليها، وتاريخ هذا المعنى الجديد في أي سنة كان، ومن أول من استعمله، وما الجملة التي قالها مستعملا فيها هذه الكلمة في المعنى الجديد إلخ. •••

فإذا نحن نظرنا في ضوء هذا إلى اللغة العربية وجدنا أن علماء اللغة في العصر العباسي بذلوا جهدا مشكورا في نواحي اللغة العربية المختلفة؛ فمنهم من جمع ألفاظ اللغة بمشافهة العرب كالأصمعي وأبي زيد الأنصاري، ومنهم من جمعها في معجم كالخليل بن أحمد وابن دريد، ومنهم من بحث في المعرب من الألفاظ التي دخلت العربية من الهندية والفارسية والسريانية والرومية كأبي منصور الجواليقي، ومنهم من بحث الأبحاث القيمة في اختلاف اللغات العربية وأيها أفصح، وهل اللغة تثبت بالقياس أولا، والاشتقاق والعلاقة بين اللفظ والمعاني وتقارب الألفاظ لتقارب المعاني إلخ، كما فعل أبو علي الفارسي وابن جني؛ ومنهم من بحث في الأصوات ومخارج الحروف بحثا دقيقا كما فعل سيبويه، وهكذا. وكانوا حقيقة جديرين بكل تقدير. وكذلك استغلت بحوثهم في المعاجم التي وضعت بعدهم، كالصحاح للجوهري ولسان العرب، والقاموس المحيط. ولكن من الأسف أن هذه البحوث وقفت عند نتاج العصر العباسي ككل فروع العلم المختلفة، ومر نحو سبعة قرون أو أكثر لم تتقدم أي خطوة، ولا تزال معاجمنا مظهرا لهذا التأخر. حتى نشط الغرب أخيرا لدراسة لغات الشرق من مصرية قديمة وفارسية وهندية وحبشية وآرامية وحميرية إلخ. ووصلوا فيها إلى نتائج باهرة، وبدأ بعض شبان المشرق يأخذون عنهم ويدرسون عليهم، والرجاء فيهم أن يستمروا في دراستهم حتى ينهضوا بلغاتهم.

إن معاجم لغتنا العربية تنتظر من يضعها وضعا جديدا ويبين كل كلمة ما أصلها، والكلمات المعربة من أين أتت، وما مدلولها في اللغة القديمة وفي اللغة العربية، ومعاني الكلمات كيف تطورت بتطور الأمم في المدنية، وماذا كان معنى الكلمة في القديم، وما معناها في الجديد، ومن أول من استعملها في المعنى الجديد؟ وهكذا.

وما وصل إليه علماء المشرقيات يساعد كثيرا على البت في الظنون التي كان يرويها الأقدمون، ففي معاجمنا مثلا أن الديوان فارسي معرب «وفي سبب تسميته ديوانا وجهان، أحدهما أن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم، فقال ديوان أي مجانين، فسمى موضعهم بهذا الاسم. والثاني أن الديوان اسم بالفارسية للشياطين. فسمى الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور ووقوفهم على الجلي والخفي».

فهذه الظنون يمكن غربلتها والبت فيها الآن بما وصل إليه العلم باللغة الفارسية القديمة والحديثة. ومثل ذلك ما قالوا في الأب فقال بعضهم: إنه الكلأ وهو العشب رطبه ويابسه. وقال الفراء الأب ما تأكله الأنعام إلخ، وإذا علمنا أن اللفظة حبشية الأصل وقد عرفت الحبشية الآن أمكننا أن نبت في هذا الخلاف. وهكذا مئات الكلمات في المعاجم فسرت بظنون، وتقدم العلم باللغات يستطيع أن يحل اليقين محل الظن، كما يمكن إصلاح تعاريف ومعلومات غير تقدم العلم كلمته فيها، كتعريف الكسوف والخسوف والبرق والصاعقة وباني الأهرام ونحو ذلك. والأمل كبير في نهضة أبناء اللغة أنفسهم للقيام بهذا العمل الشاق المجدي. (2) الاتجاه النفسي والفلسفي والمنطقي

وتخصصت طائفة أخرى من علماء الغرب لدراسة اللغة دراسة فلسفية من حيث علاقتها بالنفس ومن حيث علاقتها بالمنطق وغير ذلك؛ فقد رأوا مثلا أن دراسة الكلمة ليست كدراسة أي شيء مادي كالعصا والكرسي والقلم والدواة، فهذه الأشياء ونحوها لا يحتاج في دراستها إلا لتحليل الشيء المادي نفسه ومعرفة عناصره، وما يجري على الشيء الواحد منها يجري على أمثاله. أما الكلمة أو اللفظة فلها روح، لها معنى، فإذا قلت محمد يقرأ فلا بد لفهمها من ثلاثة أشياء عقل القائل وعقل السامع والفكرة التي انتقلت من عقل القائل إلى السامع وكذلك لا بد من لفظة هي التي نطق بها القائل وسمعها السامع. ومن ناحية ثالثة لا بد من الحقائق نفسها وهي حقيقة محمد وحقيقة القراءة والعلاقة بين محمد والقراءة. وبالإجمال لا بد من ثلاثة أنواع: الفكرة واللفظة والشيء ذاته المتحدث عنه وعلى هذه الفكرة الأساسية البسيطة قاموا بأبحاث قيمة عميقة: هل كانت اللغة حادثا فجائيا عارضا في تاريخ الإنسان أو نشأت عن قصد وتعمد؟ هل يمكن التفكير من غير ألفاظ؟ هل يمكن أن تكون لغة من غير ألفاظ؟ ما العلاقة بين اللفظ والمعنى؟ ما المعنى؟ ما الذي يجعل لغة أرقى من لغة؟ إن اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية تركيبية أكثر منها تحليلية، واللغات الحديثة تحليلية أكثر منها تركيبية؛ فهل الانتقال من التركيبية إلى التحليلية رقي أو تدهور؟ هل يمكن وضع لغة عالمية أولا، وإذا أمكن فهل هو في صالح الجنس البشري أولا؟ وهكذا من أبحاث لا عداد لها، وبعضها بل أكثرها لم يجد الإجابة الحاسمة عنها إلى الآن، وإني أدخل في باب عريض لو عرضت لحضراتكم ملخصا للنظريات التي أثيرت حول كل موضوع.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥٤