تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما استنتجوا بعض نتائج تاريخية من دراسة هذه اللغات كأن يستنتجوا أن اللغة الهندوجرمانية نشأت في وسط القارة لأنه ليس فيها كلمة تدل على البحر وهكذا، وقد كانت هذه الاستنتاجات مجالا لمناظرات طويلة في صحة الاعتماد عليها مما ليس هذا محله.

وبحثوا أيضا في معاني الكلمات، فكثيرا ما تتطور الكلمات في معانيها وتقطع رحلات كرحلة ابن جبير وابن بطوطة؛ فالحبة تطورت من حبة القمح والشعير إلى حبة القلب تشبيها بالحبة في الهيئة، ثم قالوا أحب أي أصاب حبة قلبه، وأخيرا كان الحب. فكم بين حبة القمح والحب من مراحل! وكذلك التعبير، قد يوضع مرتبطا بعادات الأمة ثم تتقدم في المدنية وتتغير العادات ويبقى التعبير. مثال ذلك ألقى حبله على غاربه، ورماه الله بثالثة الأثافي، فقد كان ذلك مرتبطا بعادات العرب في ركوب الجمال واتخاذهم الكانون من ثلاثة أركان أحدها الجبل، فتغيرت العادات وبقيت التعبيرات.

ورأوا أن التعبير أو الكلمة في أول أمرها لها مدلول مادي ثم قد ينتقل إلى المدلول المعنوي، وكذلك الشأن في الانتقال من الحقيقة إلى المجاز، فأخذوا بتتبعهم معاني هذه الألفاظ والتعبيرات وتطورها يستنتجون النتائج القيمة في بيان عادات الأمم وتقاليدها، كما يستنتجون الرقي الخفي الدقيق للعقل الإنساني.

وليس هذا فقط، فإن لهجة الأمة والبلاد ونطقها في تغير بطيء مستمر غير محسوس، فنطق أهل القاهرة اليوم غير نطقهم ولهجتهم منذ قرون. وكذلك كل أمة. فما العوامل الداخلية والخارجية؟ أو بعبارة أخرى: ما العوامل النفسية والطبيعية التي تسبب هذا التغير؟ سؤال صعب حاولوا أن يجيبوا عنه إجابات مختلفة ولا تزال موضع البحث. وقد وسع مجال البحث في هذا الموضوع مقارنتهم بين اللغات وأن الكلمة في لغة وفي أمة لما انتقلت إلى أمة أخرى تغير بعض الشيء نطقها وشكلها، ورأوا اطرادا أحيانا في تغيير حرف بحرف، وعدم اطراد أحيانا، واطرادا أحيانا في السير من بداوة إلى حضارة، وهكذا. فكان ذلك كله موضوعا لبحوث لذيذة مفيدة، ووضعوا في ذلك ما سموه «قوانين الصوت» قياسا على «قوانين الطبيعة».

كما بحثوا في أن الشعب الذي يتكلم لغة واحدة إذا تبلور وارتقى في المدنية حتى أصبح يسمى أمة توثقت الصلة بين عاصمة بلاده وسائر البلدان. وإذ كانت العاصمة هي المركز الرئيسي للحكومة وزعماء السياسة، وزعماء الدين وزعماء العلم، وأرقى بقعة للأمة في مدنيتها، كان لها أثر كبير في اللغة من حيث خلق بعض ألفاظها وتعبيراتها ومصطلحاتها وصقل لجهتها، وشع منها ذلك على سائر البلدان، فدرسوا هذه الوجهة في تفصيل وإمعان، ووصلوا من هذه الدراسة إلى نتائج قيمة.

هذا في الأمة الواحدة. ومن ناحية أخرى، فالأمم المختلفة إذا اشتبكت علاقاتها تأثرت لغتها وأدبها بعضها ببعض، سواء كان ذلك من عمل الأفراد كالسائحين والتجار والمبشرين الدينيين ونحو ذلك، أو من عمل الأمم كتغلب أمة على أمة بالفتح والاستعمال وكثرة التزاوج. وقد استنبطت من دراسة هذه الناحية بعض قوانين، مثل أن الأمة الممتزجة بأخرى إذا كانت ثقافتها أرقى كان اقتباسها أقل، وإذا كانت أضعف كان اقتباسها أكثر ونحو ذلك؛ كما لاحظوا من هذه الناحية أن بعض الكلمات التي تقتبس قد تحتفظ بشكلها في لغاتها الأصلية وإن غاير اللغة المنقول إليها، ولذلك يوجد في اللغات أشياء شاذة في مثل تصريف الأفعال أو صيغ الجموع أو نحو ذلك.

وكان من أبحاثهم الطويلة بحثهم عن أصل اللغة وكيف تكونت وما العوامل في تكوينها، فاللغة ليست قاطرة أو عربة قطار، أو آلة من الآلات تجهز كاملة، إنما هي شيء يتكون على الزمان وفي بطء، وقد يكون من غير شعور. وقد كان للنوع الإنساني مهما كان بدائيا لغته. وزادت ونمت بزيادة الاتصال والاجتماع. وزاد نموها ما يعرض للإنسان من مواد جديدة ومعان جديدة وعواطف جديدة تحتاج إلى التعبير ونحو ذلك. وقامت بين العلماء حرب حول نظريات في هذا الموضوع كنظرية أن الأصل في اللغة تقليد الأصوات الطبيعية. أو أن أصل اللغة يرجع إلى التناسق بين الأصوات الخارجية والمشاعر النفسية. أو أن الإنسان له موهبة طبيعية غامضة قادرة على خلق لفظ مناسب للشيء الخارجي والشعور به الداخلي. وهذه الملكة في الإنسان البدائي أقوى منها في الإنسان المتمدن لقلة الحاجة إليها بعد تمدنه، أو أن أصل اللغة يرجع إلى مجهود عصبي قوي عضلي أو عقلي أو عاطفي يضغط على النفس فيحاول التنفيس عنها بخلق الكلمة المناسبة. وجاء آخرون من العلماء المحدثين يرون من الخطأ إسناد أصل اللغة إلى هذه التعليلات العقلية والمصادر العقلية؛ فقد تنشأ الألفاظ في جو شعري من عواطف بين الجنسين أو أثناء لعب أو مجلس أنس إلى آخر ما هنالك من نظريات سببت جدلا كبيرا وعرضا شائقا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥٣