وتبعهم في ذلك المحدثون فهزئوا بلامية العرب وبعض قصائد امرئ القيس ودالية النابغة الذبياني وقلدوها تقليدا مضحكا.
ومن هذا القبيل ما فعلوا في ألفية ابن مالك في النحو؛ إذ اختاروا منها أبياتا كثيرة وحولوها إلى مهزلة في الأكل والشرب ونحو ذلك.
وابتدع الشيخ حسن الشربيني المتوفى في القرن الحادي عشر الهجري أسلوبا في السخرية بالنحو والصرف والاشتقاق في كتابه المسمى «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» فقلده من أتى بعده إلى عصرنا هذا، وهذا الكتاب ظاهره الهزل والسخرية والسخف وباطنه نقد حياة الفلاحين في عصره وبؤسهم، وظلم الحكام لهم، وأنواع المظالم التي يلقاها الفلاحون على أيديهم.
هذه بعض أنواع الفكاهات في الأدب العربي. وهناك ألوان أخرى أعرض لها في مناسبة أخرى إن شاء الله.
| الاتجاهات الحديثة في دراسة اللغة1
شيئان أحدثا أكبر ثورة على وجه الأرض، واستلا الإنسان من بين فصائل الحيوان، وأجلساه على عرش هذا العالم الذي نعيش فيه، وهما يده ولسانه، فلما أطلقت يده من الارتكاز عليها في المشي استطاع أن يأتي بالأعاجيب من أعمال الفن والصناعة. ولما أطلق لسانه من العجمة استطاع أن يعبر عن نفسه ويتفاهم مع غيره، ويتعاون في التفكير، حتى وصل إلى ما وصل إليه في علمه وعقله وأدبه. فكل ما نرى اليوم من مظاهر الحضارة في العلم والعمل إنما هو مدين لهذين العاملين الأساسيين.
لقد كان اكتشاف اللغة والتفاهم بها أعجوبة أعجب من اكتشاف القنبلة الذرية، لولا أننا ألفناها من صغرنا قبل أن ينمو فينا شعور العجب. وعليها أكبر الاعتماد في الرقي العقلي الذي نراه، كما أن لها أكبر الأثر فيما يكون بين الفرد والجماعة من تفاهم نتجت عنه هذه النظم التي نعيش فيها.
من أجل هذا عنى الناس من قديم باللغة والبحث فيها، سواء في ذلك الغرب والشرق، والعرب وغيرهم، ولكن تجلت قيمة اللغة في العصور الحديثة بأكثر مما تجلت في القديم، وألقى التقدم العلمي في فروع العلم المختلفة أضواء جديدة على اللغة، فجد الغربيون في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين في البحث فيها من نواح مختلفة، نواح قديمة كانت تبحث من قبل فزادوها بحثا، ونواح جديدة دعا إليها التقدم العلمي الحديث، وهذا ما أحببت أن أعرضه عرضا بسيطا سريعا يناسب المقام. ولعل أهم الاتجاهات التي اتجه إليها الباحثون المحدثون هي: (1)
الاتجاه اللفظي. (2)
والاتجاه النفسي والمنطقي والفلسفي. (3)
والاتجاه الاجتماعي. (4)
والاتجاه البيداجوجي أو التربوي. (1) الاتجاه اللفظي
ربما كان هذا الاتجاه أقدم الاتجاهات، وكان هذا العلم يسمى فيلولوجيا كما يسمى الآن، وهو يقابل عندنا تقريبا فقه اللغة، وكان في القديم وفي العصور الوسطى يعنى ببحث النصوص وشرحها والكلمات ومعانيها، ولكن بتقدم العلم حصر نفسه منذ القرن الثامن عشر في تاريخ اللغة وكلماتها واشتقاقها وتطور استعمالاتها، وتغير أشكالها، وخاصة إذا كانت تلك اللغات من أسرة واحدة. وقد استطاع تقدم هذا العلم في العصور الحديثة كشف كثير من الأخطاء التي وقع فيها الأقدمون وعلماء القرون الوسطى، نظرا لما أدى إليه اتصال أجزاء العالم واشتباكها من إمكان الوقوف على معرفة لغاتها واكتشاف ما لم يكن يعلم منها كان هم الباحثين في العصور الوسطى منصرفا إلى ثلاث لغات وهي: اليونانية واللاتينية والعبرية، فاتسع الأفق في العصور الحديثة وشمل لغات أخرى كثيرة، وكان ذلك وخاصة اكتشاف اللغة الهندية الجرمانية أو الآرية سببا في تعديل كثير من النظريات، وإصلاح كثير من الأخطاء، ووضع علم فقه اللغة على أسس جديدة. وفي آخر القرن الثامن عشر اكتشفت لغة قدماء الهند وقرئت بها «الفيدا» كما اكتشفت اللغة السنسكريتية لغة الهند المستحدثة وغيرهما من لغات الشرق، فأنارت السبل أمام الباحثين. واستخدمت نتائج هذه الأبحاث في وضع النظريات الحديثة لعلاقات اللغات بعضها ببعض، وفي المعاجم المطولة التي تبين أصول الكلمات واستمدادها، ووضعت المقارنة بين الكلمات في اللغات المختلفة، وكيف طرأ التغيير على الأصل، وهكذا.