تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستمرت عادة الخلفاء في اتخاذ الندماء طوال العصور حتى كان قريبا من عصرنا الشاعران الشهيران السيد علي أبو النصر والسيد علي الليثي نديما الخديو إسماعيل، تروى عنهما الملح الطريفة والنوادر الظريفة .

وهؤلاء الندماء أغنوا الأدب العربي بالفكاهات حتى لو جمع ما أثر عنهم لبلغ المجلدات. •••

وأولع العرب بنوع من الفكاهة طريف وهو الأجوبة المسكتة المفحمة وخصصوا له الفصول في كتب الأدب كما فعل ابن عبد ربه في العقد الفريد، وقد ظهر هذا النوع بكثرة أيام الانقسام بين شيعة علي بن أبي طالب وشيعة معاوية، فاتخذوا هذا الموضوع مثارا للأسئلة والأجوبة الممتعة، وتفوق شيعة علي في هذا الباب تفوقا بديعا، ولا سيما بعد أن انهزم حزبهم حربيا، فكان من باب «التعويض» أن يجدوا لما في نفوسهم منفذا للقول.

وقد أبدع في هذا الباب ونحوه طائفة من الممرورين وعقلاء المجانين، وهم طائفة من الناس خفيفوا الروح والعقل، أو متصوفة مدلهون أو فلاسفة شاردون تعتريهم لوثة من شذوذ، فيعبث بهم الناس في أوقات لوثتهم، فتصدروا عنهم الأجوبة المسكتة أو الأقوال الظريفة، وقد عني مؤلفوا الأدب بهذا النوع من الناس عناية فائقة فوضعوا فصولا من كلامهم في كتب الأدب تحت عنوان «أخبار الممرورين والمجانين» أو ترجموا لمشهوريهم أمثال أبي العبر وبهلول، بل ألف بعضهم كتبا خاصة فيهم كما فعل النيسابوري صاحب التفسير إذ ألف كتابا سماه «عقلاء المجانين» ترجم فيه لمشهوريهم وذكر ملحهم، وعلى الجملة فكانوا كذلك مصدرا من مصادر الفكاهة في الأدب العربي. •••

ولما نضج النثر في العصر العباسي وبعده استخدم في الهجاء، كما كان يستخدم الشعر في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، فابتدع الجاحظ تصوير بعض الشخصيات تصويرا ساخرا في رسالة من رسائله وهي رسالة «التربيع والتدوير» سخر بها من كاتب بغدادي اسمه أحمد بن عبد الوهاب، فقد كان هذا الرجل قصيرا ويزعم أنه طويل وجاهلا ويزعم أنه عالم، فأخذ الجاحظ يعبث ببدنه ويعبث بعلمه ويسخر بغروره، وبهذا الضرب ملأ كل رسالته، وتبعه الأدباء على هذا النمط فوضع ابن زيدون في الأندلس مثلا رسالته الهزلية وموضوعها أن ابن زيدون كان يحب ولادة بنت المستكفي ويستهويها فنازعه في حبها أبو عامر بن عبدوس فكان يراسلها ويتحبب إليها، فكتب ابن زيدون هذه الرسالة على لسان ولادة يهجوه فيها أشد هجو وأقساه ويضمنها كثيرا من المعارف التاريخية، وكما فعل ابن مماتي المصري في رسالته المسماة «بالفاشوش في حكم قراقوش» وضعها في هجائه وبيان مظالمه ونسب إليه أحداثا كثيرة يشهر فيها بسوء تصرفه.

ويتصل بهذا ضرب قريب منه وهو الهجاء والنقد ولكن لا لشخص بعينه، بل لشخصية تصور الطمع والغرور أو البخل أو نحو ذلك. ونجد هذا النوع في بعض مقامات بديع الزمان والحريري كالمقامة المضيرية للبديع، إذ تصور شخصية تكاد توجد في كل زمان، شخصية الرجل الذي يعتز بكل ما يملكه، فالثوب الذي يلبسه خير الأثواب، والساعة التي يحملها قد صنعها المصنع وحدها، ولم يصنع مثلها، والبيت الذي يملكه ويسكنه لا نظير لها، وحديقته قد نقل إليها الأشجار من أطراف الدنيا، وكل شيء فيه من بدع الدنيا لا يوجد مثله عند الملوك ولا المتاحف وهكذا.

وفي بعض هذه المقامات ما يصور الأديب المحتال للكسب بأدبه ونحو ذلك من شخصيات غير معينة بالاسم ولكنها معينة بالوصف. •••

ولون آخر من الفكاهة شاع في الآداب المختلفة وكذلك في الأدب العربي وهو أن يعمد الأدباء إلى قصيدة مشهورة جدية فيقلبوها هزلية، أو شيء موقر محترم فيعبثو به، مثال ذلك ما فعلوا في قصيدة «ابن دريد» المقصورة المشهورة التي مطلعها:

يا ظبية أشبه شيء بالمها

ترعى الخزامى بين أشجار النقا

فحولوها إلى قصيدة هزلية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٥١