أعددت للشعر سما ناقعا
فسقيت آخرهم بكأس الأول
لما وضعت على الفرزدق ميسمي
وصغا البعيث جدعت أنف الأخطل
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا
وبنى بناءك في الحضيض الأسفل
بيتا يحمم قينكم بفنائه
دنسا مقاعده خبيث المدخل
ولقد بنيت أخس بيت يبتنى
فهدمت بيتكم بمثلى يذبل
إني بني لي في المكارم أولي
ونفخت كيرك في الزمان الأول
إلى كثير من أمثال هذا.
وقد وصل إلى القمة في هذا الباب ابن الرومي فيما بعد، فتفنن في رسم الصور المضحكة لأعدائه وخصومه أيما تفنن كقوله في وصف بارد ثقيل:
يا أبا القاسم الذي ليس يدرى
أرصاص كيانه أم حديد
أنت عندي كماء بئرك في الصي
ف ثقيل يعلوه برد شديد
وقوله:
وجهك يا عمرو فيه طول
وفي وجوه الكلاب طول
مقابح الكلب فيك طرا
يزول عنها ولا تزول
وفيه أشياء صالحات
حماكها الله والرسول
فالكلب واف وفيك غدر
ففيك عن قدره سفول
وقد يحامي عن المواشي
وما تحامي ولا تصول
وأنت من بين أهل سوء
قصتهم قصة تطول
وجوههم للورى عظات
لكن أقفاءهم طبول
مستفعلن فاعلن فعول
مستفعلن فاعلن فعول
بيت كمعناك ليس فيه
معنى سوى أنه فضول
وهجا رجلا بطول أنفه فقال:
حملت أنفا يراه الناس كلهم
من رأس ميل عيانا لا بمقياس
لو شئت كسبا به صادفت مكتسبا
أو انتصارا مضى كالسيف والفاس
وهجا بخيلا اسمه عيسى:
يقتر عيسى على نفسه
وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره
تنفس من منخر واحد
وديوانه مملوء بمثل هذه الصور الساخرة.
وإذا عيب هذا الضرب من السخرية بشيء ففي أنه في كثير من الأحيان صريح مكشوف وكان يكون أرقى لو أنه خفي ملفوف.
وهناك لون آخر فشا في الأدب العربي وهو السخرية بالضعف الخلقي عن طريق القصص القصير، ومن أقدم ما روي لنا في هذا الباب ما روي لنا من الفكاهات الحلوة عن أشعب الطماع، وقد كان مولى يسكن المدينة، وأحيانا يسكن مكة أو الطائف، ثم طلبه الوليد بن يزيد ليكون من ندمائه، وقد امتلأ الأدب العربي بنوادره القصيرة في طمعه كالذي رووا أن صديقته قالت له: هب لي خاتمك أذكرك به؟ قال لها: اذكريني بالمنع. وسئل مرة عن مبلغ طمعه فقال: «ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء». وقال مرة للأطفال ليبعدوا عنه: إن سالم بن عبد الله يفرق تمرا فذهبوا، فلما أبطئوا ظن أن الأمر صحيح فذهب إليهم. وهكذا. وكان رجال الحجاز يجتمعون فيتسامرون ويدعونه يحدثهم بنوادره المضحكة. وخلفه ابنه بعده في هذا الباب، وتزيد الناس عليه فكانت كل حكاية طمع ظريفة تنسب إلى أشعب.
فلما جاء دور التأليف في العصر العباسي رأينا هذا الباب يزيد ويتسع ويكون موضوعا للتأليف فيؤلف فيه الجاحظ نوادر المعلمين ونوادر البخلاء، وابن الجوزي نوادر الحمقى والمغفلين، وبلغ القمة في هذا الباب «جحا» فكان شخصية عجيبة ونسبت إليه كل قصة مضحكة فيها نقد لاذع وغفلة مضحكة وحكمة مستترة، فكانت شخصيته بأصلها وما زيد عليها إحدى روائع الأدب العربي في هذا الباب.
2
وهناك ألوان أخرى في الأدب العربي من الفكاهة: منها ما اعتاده الملوك والوزراء والأمراء من اختيار ندماء في مجالسهم للتسلية والسمر والتفكه، وقد قلد العرب في ذلك الفرس، فكاد يكون لكل خليفة ووزير نديم يراعي في اختياره خفة الروح وسعة الاطلاع وحسن الحديث والقدرة على الترفيه، بما يروي من أحاديث ونوادر طريفة، فإذا كان الخليفة أو الوزير مثقفا ثقافة واسعة فالنديم يأتي بالطرف الثقافية، وإن كان من ذوي الميل إلى رغبة من الرغبات فحديث النديم يدور حول هذا؛ ففي العصر الأموي مثلا اشتهر أشعب هذا، وقد اتخذه الوليد بن يزيد نديما له ومضحكا. وفي العصر العباسي اشتهر أبو دلامة نديم السفاح والمنصور والمهدي، وقد كان شاعرا فاستخدم شعره في السخرية والمجون والفكاهات اللاذعة يوجهها إلى كل من اتصل به حتى نفسه، ووضع قصيدة في بغلته فعابها بكل نقيصة. ومن هذا النوع كان الأصمعي للرشيد، فقد كان يشيع السرور عنده بما يرويه من نوادر الأعراب وملحهم مما ملئت بها كتب الأدب، كما اشتهر أبو العيناء تلميذ الأصمعي، وقد امتاز بنوع من الفكاهة وهي سرعة بديهته وإجابته المفحمة، وقد كف بصره وهو في سن الأربعين، وكانت نوادره وملحه وإجاباته مثار الضحك والفكاهة والتنادر الظريف، وكان نديما للبرامكة وفيا لهم بعد نكبتهم، وقال المتوكل لولا أنه ضرير لنادمناه، فقال أبو العيناء: إن أعفاني المتوكل من رؤية الأهلة وقراءة نقش الفصوص فأنا أصلح للمنادمة، وقيل له: إلى متى تمدح الناس وتهجوهم؟ فقال ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء، وأعوذ بالله أن أكون كالعقرب يلدغ النبي والكافر.