تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد خلف في هذه الآراء كلها مدرسة تأخذ بتعاليمه وتعتمد على آرائه؛ منهم من أخذها عليه شفاها، ومنهم في الأقطار الإسلامية من أخذها عنه بما نشره في كتبه ومقالاته، وكان مدرسة قوية الأثر واضحة المعالم. وحسبنا دليلا على هذا أن أكثر من تصدوا للإصلاح الديني أو الاجتماعي أو السياسي بعده كانوا من تلاميذ أو من أصدقائه المتأثرين به.

وزاده قوة أثر أنه لم يكن يدعو إلى الإصلاح نظريا عن طريق التأليف أو الخطب والمقالات فقط كما يفعل بعض المصلحين. بل كان يحاول دائما أن يحول إصلاحه إلى عمل، وينغمس في الحياة الواقعية، ليتمكن من تنفيذ برامجه الإصلاحية.

فإن مات وفي نفسه غصة من أنه لم ينل ما يريد فعزاؤه أن الصالح من أفكاره لم يمت، وظل يعمل في موته كما كان يعمل في حياته. رحمه الله.

| الفكاهة في الأدب العربي

1

الفكاهة عنصر هام من عناصر الأدب، لأن الضحك جزء من حياتنا يؤدي وظيفة روحية وفسيولوجية فيجب أن يكون له في سائر الفنون ما يغذيه ويبعث عليه، ولأن الفكاهة تؤدي وظيفة اجتماعية كبيرة في تسلية النفوس وتقويم الأخلاق والعمل بتقاليد المجتمعات ومواضعاتها، فأنا أعتدل في مشيي وأنظم حركاتي وأنتظم في هندامي وأتخير ألفاظي وأطلب الكمال في كل شيء حذر أن يسخر الناس مني ويتخذوني موضوع فكاهتهم ودعابتهم وسخريتهم.

والأديب الماهر لا بد أن يكون لديه القدرة على الفكاهة، سواء كان شاعرا أو خطيبا أو كاتبا أو قصاصا أو روائيا، فهو بهذه الملكة يستطيع أن يصل إلى نفوس سامعيه، ويفتحها لآرائه، ويدس في ثنايا فكاهته ما يريد من المبادئ والنظريات فيتقبلها القارئ أو السامع في لذة ومتعة ويكون ذلك أفعل في نفسه، ولهذا ينجح الأديب الفكه أكثر مما ينجح الأديب العابس.

وقد أدرك هذا مؤلفو العرب من قديم فكانوا يعمدون إلى خلط الهزل بالجد والفكاهة بالعلم، وقد قال ابن قتيبة في كتاب «عيون الأخبار»: «ولم أخل هذا الكتاب من نادرة طريفة، وفطنة لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى مضحكة، لأروح بذلك عن القارئ من كد الجد، وإتعاب الحق، فإن الأذن مجاجة وللنفس حمضة، والمزح إذا كان حقا أو مقاربا ليس من القبيح ولا من المنكر».

وكذلك نوه الجاحظ بهذا وجرى على هذا المبدأ في تآليفه، خالطا الجد بالفكاهة وجرى على أثرهما المؤلفون.

وكما أن الأمم تختلف في تقويمها للضحك والفكاهة وقدرتها على تذوق النكتة والضحك منها كذلك الآداب تختلف كثرة وقلة في الفكاهة وأنواعها وألوانها، والأمم العربية من أكثر الأمم تقديرا للفكاهة، وأدبها من أغنى الآداب في هذا الباب.

وقد ورد في اللغة العربية ألفاظ كثيرة تدل على ألوان مختلفة من الفكاهة، كالمزاح والهزل والتندر والنكتة واللذع والتهكم والسخرية إلى غير ذلك.

وإن الباحثين في الضحك وأسبابه من علماء النفس ذكروا أن موضوع الضحك قد يكون الأشكال المضحكة وهي غير الأشكال الدميمة كمن يتلاعب بحركات وجهه، ومن هذا القبيل كل الصور الهزلية وقد يكون التقليد، كتقليد البدوي للحضري والحضري للبدوي والطفل الصغير لأعمال الرجل الكبير، والمجنون للعاقل، والعاقل للمجنون، أو رجل يحاكي القرد أو قرد يحاكي الرجل وهكذا وقد يكون سبب الضحك التلاعب بالألفاظ والجمل كالجمع بين جمل لا تربطها رابطة وإنما هي مفارقات، أو إجابة تكون عكس ما ينتظر في مثل هذا الموقف، أو نقل لفظ من معناه إلى معنى آخر، أو الانتقال من المعنويات إلى الماديات، كقولنا إن فلانا ذكر عالم رزين وشعره أسود، إلى نحو ذلك من ألفاظ وجمل تثير صورا ذهنية مضحكة وقد يكون سبب الضحك الأخلاق التي تثير فينا السخرية من صاحبها، كضحكنا من المزهو بنفسه على غير أساس، والرجل الشديد الأنانية والطماع الشديد الطمع ونحو ذلك.

وقد تناول الأدب العربي الفكاهة من هذه النواحي كلها وأمثالها، فكان من أوسع أبواب الشعر العربي باب الهجاء، وليس إلا تصوير الهاجي للمهجو صورة هزلية تثير السخرية والضحك، وقد حفل العرب به أشد احتفال لأنه مرتبط بنوع حياتهم الاجتماعية، إذ هم يحرصون على المروءة التي هي الشجاعة والكرم ويحرصون على حسن السمعة، وفي الوقت عينه يقدرون الشاعر تقديرا كبيرا لأن قوله يشيع في الناس شيوع أقوال الجرائد اليوم، ولأن القبائل تجتهد في حماية شرفها وتتخاصم بالنيل من شرف غيرها، فكانت هناك معارك شعرية بجانب معارك السيف، المتحاربون فيها هم الشعراء يمثلون قبائلهم في هجاء غيرهم وتصويرهم بالصور التي تثير الضحك والسخرية، ولعل خير الأمثلة في ذلك ما كان بين جرير والفرزدق والأخطل من الأهاجي التي ملأت جو العرب ضحكا وسخرية وغضبا وتحمسا كقول جرير في الفرزدق يسخر منه بحقارة بيته وبصناعة أهله وهي الحدادة:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٤٩