تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووسيلة تنبيه الرأي العام التعليم، وخاصة التعليم الاجتماعي، والصحافة النزيهة، وتربية القادة في مجلس الشورى وأمثاله، فيدرسون المسائل درسا وافيا ويبدون الرأي في إخلاص وأمانة، فيكون هذا كله درسا يقلد عند طبقات الشعب».

وكان مقتضى هذا أن يقف هو ومدرسته أمام الخديو إذا جاوز الحد، وأمام الإنجليز إذا جاوزوا الحد، ولكنا نراه يفعل ذلك أمام الخديو، ولو أدى إلى العنف، ولا يفعل ذلك مع الإنجليز إلا بالتفاهم. ولعله قد ألجأه إلى ذلك الدروس القاسية التي جربها في فشل الثورة العرابية ومجلة العروة الوثقى، واعتقاده أنه لو اجتمعت عليه السلطتان ما تمكن من أي إصلاح ديني أو اجتماعي، وهذا المسلك في الحقيقة نقطة ضعفه السياسي، وكان يجب أن يعدل في موقفه بين السلطتين، فإما ثورة عليهما أو مسالمة لهما.

ويلطف هذا أن مسلكه مع الإنجليز لم يكن استعداءهم على قومه، ولكن أن يكسب منهم ما يستطيع لقومه؛ ولهذا كان أكره من يكره سلطان باشا، وعمر لطفي باشا، لأنهما في نظره يحرضان الإنجليز على قومهما.

هذا النحو من السياسة، وهو الاعتماد في النضج السياسي على التعليم والتربية برنامج عقلي لا برنامج شعوري، وهو قلما ينجح في الدعوة السياسية، إنما ينجح فيها من يعتمد على الشعور، وإلهاب العواطف، ولذلك نجح عبد الله نديم ومصطفى كامل سياسيا أكثر مما نجح محمد عبده.

ولعله هو قد أدرك ذلك فقال في أمر الحكومة والمحكوم: «إني تركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره» وفي هذا القول نغمة يأس وشعور بالفشل.

سببت له دعوته الإصلاحية الدينية ومذهبه السياسي خصومات ذوات ألوان؛ فدعوته الدينية حركت عداء الجامدين من رجال الدين الذين حياتهم الدينية مملوءة بالأولياء والأضرحة والنذور والموالد والشفاعة، كما حركت عداء قوم يرون مصدر الأحكام والفتوى ليس إلا أقوال المتأخرين من الفقهاء، وليس لأحد كائنا من كان أن يجتهد ويقدر الظروف والأحوال، أو أن يرجع إلى الدين في أصوله الأولى يستمد منها أحكامه. وآخرون دفعهم الحسد إلى خصومته، إذ أخمل شأنهم، وأبان ضعفهم، وأظهر نقصهم، فحاربوه باسم الدين. وآخرون كالخديو عباس كرهه سياسيا، ولكنه حار به دينيا، فحرض عليه رجال الدين ليسقطه في ميدان السياسة.

وهناك خصوم شرفاء أكثرهم ممن تعلم في أوربا يرون أن الشيخ طيب القلب محب للخير، ولكنه ينفخ في قربة مقطوعة، فيحاول إصلاح الأزهر وليس يصلح ويحاول الإصلاح الاجتماعي عن طريق الدين، وهم يرون الإصلاح الاجتماعي إنما يكون عن طريق العقل وحده، والتقليد لأوربا فيما وصلت إليه من شرائعها ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ وهكذا كل هؤلاء تجمعوا عليه في خصومته في الإصلاح الديني، ومع هذا فهذه الخصومات زادت الحركة قوة والحياة نشاطا، واستخرجت من الشيخ محمد عبده أقصى قواه وملكاته، واستخرجت من خصومه أقصى قواهم وملكاتهم.

وحاربه في السياسة الحزب الوطني، لأنه يرى رأي الأستاذ في إصلاح التعليم أولا، بل بالجلاء أولا، ولا يرى رأيه في الاعتماد على العقل، بل بالاعتماد على الشعور، ولا يرى رأيه في مسالمة الإنجليز بل بمخاصمتهم العنيفة. وكذلك حاربه الخديو من وراء ستار كما حاربه دينيا في جرائده والتأليب عليه.

واشترك خصومه الدينيون والسياسيون في تهييج الرأي العام عليه، ومحاولتهم إسقاطه من أعين الناس؛ هؤلاء يرمونه بالكفر الديني، وهؤلاء بالكفر السياسي.

ثم ذهب هذا كله ومات الشيخ محمد عبده واندفعت الأحقاد وذهب الزبد جفاء وبقي ما ينفع الناس.

لقد أيقظ الشيخ محمد عبده الشعور الديني، وأشعر المسلمين أنهم يجب أن يهبوا من رقدتهم لإصلاح نفوسهم وتكميل نقصهم، وألا يعتمدوا على الفخر بماضيهم، بل يبنوا من جديد لحاضرهم ومستقبلهم. ودعا إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معا حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدينة الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا، لأن المسلمين لا يستطيعون أن يعيشوا في عزلة، ولا بد أن يتسلحوا بما تسلح به غيرهم، وأكبر سلاح في الدنيا هو العلم، وأكبر عمدة في الأخلاق هو الدين، ومن حسن حظ المسلمين أن دينهم يشرح صدره للعلم، ويحض عليه، وللعقل ويدعوا إليه، وللأخلاق الفاضلة التي تدعوا إليها المدنية الحاضرة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٤٨