تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونظر إلى أساليب الكتاب فحاول إصلاحها ما استطاع. فكان يقدم نماذج للكتابة أيام كان مشرفا على الوقائع المصرية بما يكتبه هو وأصحابه فيها، وكان يلفت نظر الجرائد إلى سوء أسلوبها، ويلزم أصحابها أن يختاروا من يرفع مستوى الكتابة فيها.

ولما كان في بيروت كان مما يعلم في «المدرسة السلطانية» الإنشاء، ونشر مقامات بديع الزمان الهمذاني بعد أن ضبطها وشرحها، ونهج البلاغة بعد أن ضبطه وشرحه، يرمي بذلك إلى تغذية الناشئين بأدبهما واتخاذهما نموذجا من نماذج الأساليب الجيدة.

ولما عاد إلى مصر كان من دروسه درس في البلاغة لا على نمط البلاغة التي أفسدتها الفلسفة، بل على النمط الذي يربي الذوق ويرقي الأسلوب؛ فقرأ كتابي دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وكان هو السبب في نشرهما، فقدم بهما معنى للبلاغة لم يكن مفهوما للناس من قبل.

وفي سنة 1318ه أسس في مصر جمعية برئاسته سميت «جمعية إحياء الكتب العربية» كانت فاتحة أعمالها نشر كتاب المخصص في اللغة، وقد عهد في تصحيحه للعالم اللغوي الشيخ محمد محمود الشنقيطي. وشرعت الجمعية بعد المخصص في إعداد مدونة الإمام مالك للطبع بعد أن استحضر لها أصولا من تونس وفاس.

وهو الذي أخذ بيد الشنقيطي ولولاه ما بقي في مصر، فكان الشنقيطي علما من أعلام اللغة يعلمها للناس ويصحح ما تعقد من الكتب، وينشر البحوث اللغوية الدالة على اطلاع واسع وتدقيق عميق.

وهو الذي عهد إلى الأستاذ سيد المرصفي في تدريس كتب الأدب بالأزهر، أمثال كتاب الكامل للمبرد وديوان الحماسة لأبي تمام، ولم يكن ذلك معروفا من قبل، فكان عمله هذا سببا في نهضة لغوية أدبية واضحة تأثر بها كثير من الأدباء البارزين وتلاميذهم، فإن قلنا: إنه حول الكتابة من كتابة مسجوعة سخيفة إلى كتابة مرسلة جميلة، ومن كتابة فارغة المعاني إلى كتابة يعنى فيها بالمعاني لم نبعد.

أما إصلاحه السياسي فكان في مجلس الشورى مذ عين عضوا به، فكان قوة فعالة فيه قال صديقه حسن عاصم وكان زميلا له في المجلس: «لقد عين الشيخ محمد عبده سنة 1899، وكان بين أهل الحل والعقد في الحكومة وبين رجال مجلس الشورى شيء أشبه بالخلاف في الرأي، أدى إلى أن الحكومة نفذت كثيرا من المشروعات التي كان المجلس يرى الخير للأمة في عدم العمل بها، وصرفت النظر عن كل أوجه التعديل في المشروعات التي كان يرى أن الصلاح والنفع للأمة في تعديلها، فلما جاء الأستاذ إلى المجلس ونظر في الأمر نظرة الحكيم البصير، وعرف أن ليس هناك ما يدعو إلى هذا الانفراج، وإنما هو سوء التفاهم باعد ما بين المشارب على تقاربها، سعى رحمه الله في أن يزيل أسباب هذا الخلاف فكان ما أراد، وعرفت الحكومة أن المجلس إنما يطلب ما فيه سعادة الأمة، ويبتغي الخير لها، وأن ليس له غرض في مصادمة آراء الحكومة ومطالبها ما دامت تتفق مع مقصده، وعلم المجلس أيضا أن الحكومة لا تقصد إلى شيء وراء ما يقصده لمصلحة البلاد، وبذلك اتفقت الكلة في الغالب، ولم يعد بين الهيئة الحاكمة والهيئة النيابية من الخلاف ما يتعسر حله».

وكان ما ترسله الحكومة من المشروعات يؤلف المجلس لجنة لدرسه، وكثيرا ما تكون برياسة الأستاذ، سواء كانت المسألة قانونية أو اجتماعية أو شرعية، حتى قد التهم المجلس وقته وهو لا يعبأ بالجهد يبذل فيه، لأنه كان يرى أن عمله مع الأعضاء درس يعلم الجد والاهتمام بالأمور العامة للبلاد، وأنه وسيلة لتربية الرأي العام.

هذه ناحيته السياسية الرسمية. أما غير الرسمية، وأعني بها عمله في موقف الأمة من الخديوين ومن الإنجليز، فقد لخص موقفه منهما في قوله: «إنه يريد تنبيه الرأي العام حتى يميز ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، وأن الحاكم من البشر يخطئ ويصيب، ولا يصده عن الخطأ إلا تيقظ الرأي العام ووقفه الحاكم إذا تجاوز حده بالقول أو الفعل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٤٧