كان يرى أن إصلاح المسلمين من طريق دينهم أيسر وأصح من إصلاحهم من طريق الإصلاح المعتمد على مجرد العقل ومقياس المنفعة والتقليد الأوربي، وأن هذا الطريق هو الذي سلكه جميع المصلحين المسلمين. يقول: «إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم إنما هو تصحيح الاعتقاد وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، واستقامت أحوال الأفراد، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية، دينية ودنيوية، وتهذبت أخلاقهم بالملكات السلمية، وسرى الصلاح منهم إلى الأمة ... وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة به ما بيناه، وهو حاضر لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلم العدول عنه إلى غيره؟»
وعلى هذا الأساس في التفكير كان يريد أن يسيطر على برامج التعليم في المدارس حتى يصلح النفوس من هذا الطريق بالتوسع في التاريخ الإسلامي، وبث مبادئ الدين الصحيح، ولهذا كان ينتهز كل فرصة لتقديم تقرير عن التعليم؛ فعل ذلك لما كان في الوقائع قبل الثورة العرابية، حتى شكل مجلس التعليم الأعلى بناء على سعيه، وكان هو فيه عضوا بارزا، وفعل ذلك عندما كان في بيروت، فكتب تقريرا في إصلاح التعليم رفعه إلى شيخ الإسلام في الأستانة حتى لم يتحرج أن يرفع تقريرا بذلك إلى اللورد كرومر بعد عودته، فلما لم تتحقق مطالبه رجا أن يكون على رأس دار العلوم يبث روحه في طلبتها فيبثون روحهم في طلبتهم، فلما يئس من ذلك أيضا وجه همته إلى الجمعية الخيرية الإسلامية يضع لتلاميذها مناهج دراستهم ويؤلف لهم تفسير جزء عم. وهكذا كان دائما يريد أن يسيطر على التعليم ليوجهه الوجهة التي يريدها.
وكما جد في نشر تعاليمه وآرائه في الإسلام جد في الدفاع عنه، وكانت تأخذه الغيرة الشديدة إذا مسه أحد بسوء. يتجلى ذلك في موقفين شهيرين: (1)
رده على هانوتو. ففي أوائل سنة 1900 نشر هانوتو مقالا عن الإسلام بمناسبة سياسة فرنسا في المستعمرات الإسلامية، ثم تعرض للمقارنة بين المدنية النصرانية والإسلامية، ووازن بينهما في مسألتين: ذات الله والقضاء والقدر. فاعتقاد النصارى في التثليث وتصورهم للإله الإنسان جعلهم يرفعون مرتبة الإنسان ويخولونه حق القرب ومن الذات الإلهية؛ على حين أن العقيدة الإسلامية بدعوتها إلى التوحيد وتنزيه الله عن البشرية، حملت الإنسان على الضعف والوهن، والعقيدة المسيحية القائلة بحرية الإنسان وإرادته، دفعته إلى العمل والجد. أما عقيدة المسلمين في القضاء والقدر فحملتهم على الجمود والركود.
ونشرت ترجمة هذا المقال في المؤيد، فلم ينم الشيخ محمد عبده ليلته حتى كتب الرد عليها، وظهرت أول مقالة له في ثاني يوم. ثم تتابعت مقالاته، بين فيها فضل الإسلام على المسيحية، وبين أن عقيدة التوحيد أسمى فكرة، وأن فكرة التثليث لا يستطيع أن يتقبلها العقل، وأن الإسلام لم يدع إلى الجبرية بالمعنى الذي يفهمه هانوتو، وأن في القرآن أربعا وستين آية تثبت حرية الإرادة إلخ. وكان من نتائج هذا كتابه المشهور «الإسلام والنصرانية». (2)
وأما الموقف الثاني فقد نشر فرح أنطون في مجلة «الجامعة» مقالا عن ابن رشد قرر فيه أن المسيحية كانت أوسع صدرا وأكثر تسامحا للعلم والفلسفة من الإسلام، فرد عليه الشيخ محمد عبده في سلسلة مقالات يثبت فيها سعة صدر المسلمين للفلاسفة وأهل العلم والأديان الأخرى، مما لم يكن له نظير في أي دين آخر.
وهكذا كانت حياته في خدمة دينه. •••
أما إصلاحه اللغوي والأدبي فقد بدأه بإصلاح أسلوبه نفسه، أخذ يكتب في جريدة الأهرام بأسلوب متأثر بالكتب الأزهرية، وخاصة بما ألف في الفلسفة الإسلامية، وبما هو شائع في ذل العصر من السجع والازدواج، وبمقدمات طويلة قبل الدخول في الموضوع. ثم أخذ يقوي أسلوبه ويصح ويزداد حركة وقوة من روح أستاذه جمال الدين، كما يتجلى في مقالات العروة الوثقى، ثم مرن قلمه وتدفق من طول ما كتب وعالج حتى بلغ غايته في مقالاته في الرد على هانوتو حيث تجمل بجمال البساطة وتدفق المعاني، في سلاسة وقوة.