في هذا القول الموجز كل حياة الشيخ محمد عبده الإصلاحية، وكل رسالته، وكل نجاحه وفشله. ثلاثة أمور اتجه إليها: إصلاح الدين، وإصلاح اللغة والأدب وإصلاح السياسة، فلنذكر كلمة في عمله في كل منها.
فأما إصلاحه الديني فاتجه فيه إلى إصلاح الأزهر، وكان رأيه أنه إذا أصلح خدم العالم الإسلامي أكبر خدمة، لأنه سيخرج قوما غيورين على الدين، متنورين، ينبثون في جميع العالم الإسلامي فيحملون مثل رسالته ويقومون بمثل دعوته؛ وقد استعان على ذلك بالخديو والإنجليز وبمنصبه وجاهه وأصدقائه، ثم كان من أمره ما ذكرنا؛ ولهذا وأمثاله وصفه اللورد كرومر بأنه كان رجلا مستنير الرأي بعيد النظر، خياليا، حالما بعض الشيء، ولكنه كان وطنيا صادقا».
ومع أنه لم يصل في الأزهر إلى ما يريد، ولا إلى بعض ما يريد فقد خلف فيه طبقة مستنيرة، وإن كانت قليلة، اعتنقت مبادئه وتشعبت بآرائه، وإن لم تكن لها حماسته وغيرته.
واتخذ أهم وسيلة لإصلاح العقيدة تفسير القرآن الكريم، جعله ديدنه، يدرسه في بيروت في مسجدين، ويدرسه في أحد مساجد القاهرة وهو قاض، ويدرسه في الأزهر وهو في القضاء والإفتاء، ويتخذ موضوع محاضرته في الجزائر تفسير سورة العصر، ويفسر جزء عم لتلاميذ مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، وينشر دروسه في التفسير في مجلة المنار ليقرأ في العالم الإسلامي.
كان يقرأ الآية فإذا اتصلت بالعقيدة شرحها شرحا وافيا، مستعرضا ما ورد في القرآن في موضوعها، مبينا ما دخل على المسلمين في هذه العقيدة من فساد ودخيل، وإذا اتصلت الآية بالأخلاق أبان أثر هذا الخلق في صلاح الأمم وضياعه في فسادها، وإذا اتصلت بحالة اجتماعية أوضح أثر هذه الحالة الاجتماعية في حياة الأمم، مسترشدا بالواقع مستشهدا بما يجري في العالم، في بيان متدفق ولسان ذلق وصوت جميل أخاذ؛ فهو تفسير عملي يشرح الواقع ويبين سببه، وهو أخلاقي يدعو للعمل على مبادئ الإسلام ويبين أنها منبع السعادة في كل العصور، وهو روحاني يدعو إلى السمو بالنفس إلى العالم العلوي، وينزه الله عما دخل على العقيدة من فساد بالإشراك مع الله الأولياء وعبادة الأضرحة والتشفع بأهل القبور وإقامة الموالد ونذر النذور؛ وهو في كثير من مبادئه يشبه تعاليم الوهابية في الرجوع إلى الأصول الأولى للإسلام، وتنقيته من البدع والخرافات والأوهام؛ ولكنه أوسع أفقا بتقبله ما صلح من مبادئ المدنية الحديثة والأخذ بها ما اتفقت والإسلام.
الإسلام دين توحيد لا شرك فيه، تنزيه لا تجسيم فيه، وهو دين يعتمد على العقل ويستنهضه لإدراك أن العالم له صانع واحد عالم قادر، والعقل ضروري للدين، فهو المرشد إليه ، والدين ضروري للعقل لأنه يكمله ويقومه.
والإسلام يفسح صدره للعلم ويدعو إليه، لأن العلم يكشف أسرار الكون، وذلك يفضي إلى معرفة الله وإجلاله.
وهو في تفسيره يحاول التوفيق بين الإسلام ونظريات المدنية الحديثة: ويتبع طرقا من التأويل وتفسير نظريات العلم يخونه فيها التوفيق أحيانا.
أكبر قيمة له في تفسيره أنه كان يحيي العواطف، ويحرك المشاعر أكثر مما يستقصي بحث المسائل العلمية؛ فهو يتجه إلى القلب أكثر مما يتجه إلى العلم والعقل متأثرا في ذلك بطبيعة الدين نفسه، أفادته سعة اطلاعه على الفلسفة الإسلامية، ثم اتصاله بالثقافة الغربية وقراءته بعض أصولها ورحلاته إلى أوربا وملابسته لحياتها ومقابلته لبعض فلاسفتها وسماعه بعض محاضرتها، أن ينظر إلى حال المسلمين نظرة إشفاق في عقيدتهم وأعمالهم، فيبث كل ما يرى من إصلاح حول تفسير آيات القرآن.
واستمر يدرس هذا الدرس في الأزهر نحو ست سنين، كان يحضره كثير من علية القوم وكبار القضاة والموظفين وشباب الأزهر والمدارس العالية، وكان درسه ذا أثر كبير فيهم.