فلم ير الشيخ محمد عبده بدا من الاستقالة، وقد آمن بعجزه عجزا تاما عن إصلاح الأزهر الذي يريده.
لم يلبث بعد هذه الحادثة أن أحس وطأة المرض، فعزم على السفر إلى أوربا للاستشفاء، ولكن لم يمنعه ذلك من العمل في مجلس الشورى ومجلس الأوقاف والجمعية الخيرية الإسلامية، وامتحان دار العلوم، وإعداد مشروع مدرسة القضاء. ثم ألح عليه المرض واختلف الأطباء في تشخيصه: هل هو المعدة أو الكبد؟ ثم تبين أنه مع الأسف السرطان، فأشاروا عليه بعدم السفر. وفي يوم 11 يولية سنة 1905 فاضت روحه إلى ربها عن نحو ستة وخمسين عاما، وكان برمل الإسكندرية في منزل صديقه محمد بك راسم. وقرر مجلس النظار أن تحتفل الحكومة رسميا بتشييع جنازته في الإسكندرية ومصر، وكان مشهدا مهيبا رائعا، ثم دفن بقرافة المجاورين.
وكان الخديو متغيبا عن مصر فأنب من احتفل به أو احتفى بجنازته من رجاله. رحمه الله.
وبعد فما إصلاحه؟ وما مبادئه في الإصلاح؟ وما أثرها في الأمة؟ •••
صوره السيد جمال الدين مرة تصويرا لطيفا، إذ رأى منه عزة نفس وإباء ضيم، وترفعا عن سفاسف الأمور وطموحا إلى معاليها، فقال له: «أي ملك في جلدك؟»
ومع هذه العزة والإباء كان حي الضمير حساس النفس عطوفا على البائسين والمنكوبين، فماله أقله له وأكثره للإعانة والإغاثة والنجدة؛ يصف شعوره في حريق ميت غمر فيقول: «لما قرأت وصف الحادثة كان لهب الحريق يأكل قلبي أكله لجسوم أولئك المساكين، ويصهر من فؤادي ما يصهر من لحومهم، أرقت تلك الليلة ولم تغمض عيناي إلا قليلا، وكيف ينام من يبيت يتقلب في نعم الله وله هذا العدد الجم من إخوة وأخوات يتقلبون في الشدة والبأساء، أردت أن أبادر بما أستطيع من المعونة وما أستطيع قليل لا يغني عن الحاجة ولا يكشف البلاء، ثم رأيت أن أدعو جمعا من أعيان العاصمة ليشاركوني في أفضل أعمال البر في أقرب وقت» وكذلك فعل في كثير مما أصاب البلاد من بلاء.
وصوره السيد جمال الدين مرة أخرى فقال له: «إن بين برديك قردا يخرج رأسه في بعض الأحيان» يشير إلى ما يعتريه من الحدة أحيانا كالذي كان منه مع الخديو عباس مما رويناه قبل، وفي الدرس إذا سئل سؤالا سخيفا، وفي بعض تصرفاته، ولكن هذه الحدة كانت أيضا مصدر قوة له، فكان يغضب لما يعتقده الحق، وينفعل لما يصيب من أذى، والمنكوبين من مكروه، ثم هذه الحدة أضفت عليه من المهابة والتوقير الشيء الكثير.
وهو مع هيبته وحدته طيب القلب سليم الصدر، وفي لأصدقائه، لطيف الحديث، سمح النفس، ينصف الناس في الحق حتى من نفسه، أميز شيء فيه شجاعته الأدبية، لا يداري ولا يماري، ويقول ما يعتقد أمام أي عظيم، ويعتمد في شجاعته على ربه وإيمانه، وكم سببت له شجاعته وصراحته من متاعب احتملها في صبر وثبات، علما منه بأن المقدمة لا بد أن تتبعها النتيجة.
وكان أهم خصائصه غيرته الشديدة على الإسلام والمسلمين، هي محور أعماله ومصدر آلامه وآماله. حدثني صديق قال: «كنت أسير مع الأستاذ في «جنيف» من أعمال سويسرة، وكنا نتلقى معا بعض المحاضرات الصيفية في جامعتها، فجاء ذكر الإسلام والمسلمين، فقال الشيخ: إني وهبت حياتي لإصلاح العقيدة الإسلامية وتنقيتها مما علق بها من الخرافات والأوهام. فقلت: وهل الدين عند العوام إلا الخرافات والأوهام؟ وماذا يبقى عندهم لو زالت؟ فرأيته وقد احمر وجهه وغضب غضبة ما رأيته غضب مثلها، فتأولت ما قلت حتى هدأت ثورته.
كم لاقى من عناء في سبيل إصلاحه، وكم اتهم وكم سب وكم دس له، وكم نصحه أصدقاؤه أن يستريح من هذا العناء ويعود إلى القضاء فما طاوعته غيرته أن يسمع لقولهم.
لقد ذكر الشيخ محمد عبده ما يصح أن يكون مجمع إصلاحه، ومجمل رسالته فقال: «ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه ... وأنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم، باعثا على البحث في أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل ... وقد خالفت إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن في ناحيتهم. والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو في المراسلات بين الناس وكانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق، وتنكره لغة العرب: الأول ما كان مستعملا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات، رث خبيث غير مفهوم ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته. والنوع الثاني ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر ، وهو ما كان يراعي فيه السجع وإن كان باردا، وتلاحظ فيه الفواصل وأنواع الجناس وإن كان رديئا في الذوق، بعيدا عن الفهم، ثقيلا على السمع غير مؤد للمعنى المقصود. «وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه ... ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه. وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على البال من مدة تزيد على عشرين قرنا؛ دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل، جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد. «ولم أكن في كل ذل كالإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة، ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين، وأطالب بإتمام الإصلاح في اللغة وقد قارب. أما أمر الحكومة والمحكوم فتركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنون الطوال، فهذا الغراس هو الذي ينبغي أن يعنى به الآن، والله المستعان».