وآخرون من خلصائه كانوا يعيبون عليه عداءه للخديو على هذا الوجه، ويرون أن الأجدر به أن يغضي النظر عن هفواته، ويقولون: ماذا عليه لو أعطى كسوة التشريف لغير مستحقها أو تماهل في استبدال الوقف، ثم كان ثمن ذلك أن تطلق يده في الإصلاح كما يريد، وحينئذ يجد من الخديو كل عون! ولكن فاتهم أن الطبيعة تأبى أن تخلق من علي معاوية أو أن تجعل من عمر عمروا.
وعابوه أنه نظر إلى الخديو عباس من جانبه الأسود وهو شرهه المالي، وجشعه المادي، ووسائله الوضيعة في ذلك، ولم ينظر إلى جانبه الأبيض وهو إباؤه الاستسلام للمحتلين وتشجيعه الحركة الوطنية وتغذيتها وتنميتها. بل إن (الشيخ محمد عبده) كان يناهض أيضا دعاة الحركة الوطنية، ويرميهم بالتهور ويقنع في آماله الوطنية بالقليل، كما يدل عليه خطاباه اللذان نشرا بعد موته وكان قد أرسلهما إلى صديقه مستر «بلنت» يشرح فيهما مذهبه في الإصلاح السياسي، وفيهما قناعة لا ترضي الوطنيين، وقد أثارا نفوس الخديو والوطنيين وحتى بعض المعتدلين.
ولكن مهما كان الأمر فإن العظيم يجب أن يقدر من جميع جوانبه لا من جانب واحد، وقد كان الشيخ محمد عبده مصلحا دينيا ومصلحا اجتماعيا ومصلحا للغة والأدب، وشخصية بارزة في التفكير، وأخيرا سياسيا. فإن هو لم يوفق في سياسته فهذا لا يقلل من نواحيه القيمة الأخرى، نعم يسقط الرجل في السياسة أن يشترى بمال أو يبيع ذمته لمنصب. ولكنا نجزم أن الشيخ محمد عبده كان وفيا لأمته مخلصا نزيها، يسلك هذا المسلك السياسي عن عقيدة وتقدير للمصلحة، ويجتهد أحيانا فيخطئ وتحمله الظروف القاسية أحيانا على ما يكره.
والحق أن كثيرا من شيوخ الأمة كانوا في ذلك الوقت على مثل رأيه السياسي، كسعد باشا زغلول، وفتحي باشا زغلول، وحسن باشا عاصم، ومحمود باشا سليمان وغيرهم من رجال حزب الأمة، ولكنه هوجم من هذه الناحية أكثر مما هوجموا، لأن الخديو عباس كان يؤلب عليه أكثر مما يؤلب عليهم، ولأن الناس اعتادوا أن يروا رجال الدين بعيدين عن السياسة وخاصة مع المحتلين.
في سنة 1905 كان الأزهر هادئا وعلى رأسه السيد على الببلاوي، وكان رجلا يرتاح إلى الشيخ محمد عبده ويرتاح محمد عبده إليه، والأمور سائرة سيرا طبيعيا، فظهرت فجأة حركة تدعو إلى الشغب وتشكو من شيخ الأزهر ومن مجلس الإدارة، وكان القائمون بها من المتصلين بالسراي، على أثر رفض الشيخ محمد عبده وحسن عاصم استبدال الوقف الذي أشرنا إليه وعلى أثر هذا الشغب استقال السيد على الببلاوي، وعين الخديو عباس الشيخ عبد الرحمن الشربيني، وهو ممن لا يستطيع الشيخ محمد عبده العمل معهم لرجعيته وجموده. وخطب الخديو في حفلة الإنعام بالخلعة على الشيخ الشربيني خطبة فيها خفة تدل على الغيظ الشديد من الشيخ محمد عبده وصحبه، قال فيها: «إن الإزهر أسس وشيد على أن يكون مدرسة دينية إسلامية تنشر علوم الدين في مصر وجميع الأقطار العربية ... ولقد كنت أود أن يكون هذا شأن الأزهر والأزهريين دائما، ولكن من الأسف رأيت فيه من يخلطون الشغب بالعلم ومسائل الشخصيات بالدين، ويكثرون من أسباب القلاقل ... وأول شيء أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائدا في الأزهر، والشغب بعيدا عنه فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقي العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار، لأنه مدرسة دينية قبل كل شيء، وقد استقال السيد علي الببلاوي رعاية لصحته، وقد جريت منذ اثنتي عشرة سنة على أن أقبل استقالة كل من يستقيلني من وظيفته، فقبلت استقالته، ومن يستقيلني من وظيفته سواه فأنا مستعد أن أقبل منه جريا على العادة التي اتبعتها.. ومن يحاول بث الشغب بالوساوس والأوهام أو الإيهام بالأقوال، أو بواسطة الجرائد والأخذ والرد، فليكن بعيدا عن الأزهر، ومن كان أجنبيا من هؤلاء (يريد السيد محمد رشيد صاحب «المنار») فأولى أن يرجع إلى بلاده، ويبث فيها ما يريد من الأقوال والآراء المغايرة للدين ولمصلحة الأزهر والأزهريين».