تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أعقب ذلك وقوف الشيخ محمد عبده وحسن باشا عاصم في أرض يريد الخديو استبدالها، ورأيا أن هذا العرض ليس في مصلحة الوقف، وحملا مجلس الأوقاف الأعلى على رفض هذا الاستبدال إلا إذا دفع للوقف عشرون ألفا فرقا بين الصفقتين.

انكشف الغطاء وظهر العداء ودبرت المؤامرات ودست الدسائس، وكلما أمعن الخديو في ذلك اضطر الشيخ محمد عبده إلى كثرة الاتصال بالإنجليز، وكلما اتصل زاد غضب الخديو حتى لقد هم الخديو بعزله من الإفتاء، فصرح اللورد كروم «أنه لا يوافق على عزله من منصب الإفتاء مهما كانت الأحوال ما دام موجودا».

والشيخ محمد عبده جاد في إصلاح الأزهر والنهوض بالجمعية الخيرية الإسلامية لنشر التعليم وإعانة المنكوبين، ورسول السلام بين مجلس الشورى والحكومة وداعي المصالحة فيما تعقد من الأمور، يكسب من الإنجليز بقدر ما يستطيع، وهو موضع ثقة المجلس وثقة الحكومة وثقة الإنجليز، يستشيرونه في كثير من الأمور فيشير بما يعتقده الحق؛ ثم هو ينير الخاصة بما ينشر من أفكاره في الدين والإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والسياسي على مذهبه.

وهو يحارب أشد محاربة وأعنفها من جهات متعددة: الخديو عباس يتخذ السيد توفيق البكري وغيره وسيلة للإفساد بينه ويبن رجال الأزهر، وتحريض أعضاء المجلس على الاستقالة حتى يحل محلهم من يكرهون الشيخ محمد عبده ويقفون في سبيله. وكثير من شيوخ الأزهر يخاصمونه لأنه يهدم قديمهم وإلفهم ويطلع عليهم بجديد لم يألفوه، ويشيعون بين العامة كفره وزندقته.

والحزب الوطني وعلى رأسه مصطفى باشا كامل يحاربه ويرميه بالمروق من الوطنية، لأنه يشايع الإنجليز ويتخذهم أعوانه، وتكتب التقارير السرية ضده للآستانة، فإذا سافر إليها استقبل استقبالا سيئا، وعملت التدابير لإهانته لولا لطف الله.

والجرائد الهزلية تشهر به أشنع تشهير، إما بإيعاز من خصومه وقبض الثمن منهم، وإما مجاراة للعوام وأشباههم باسترضائهم لترويج جرائدهم.

في كل يوم حادثة، وفي كل ميدان موقعة، وفي كل جريدة ذكر، وفي كل مجلس مناظرة بين الاتهام والدفاع، واسم الشيخ محمد عبده على كل لسان، وعيشته عذاب في عذاب، وهو لا تفتر قوته، ولا تخبو عزيمته، وإن كان كل ذلك يهد في أعصابه ويهدم من كيانه.

لقد تلقى المفتي سؤالين من بعض مسلمي الترنسفال وهما:

السؤال الأول:

بقر يضرب على رأسه بالبلطة حتى تضعف مقاومته ثم يذبح قبل أن يموت بدون تسمية الله عليه، فهل يجوز أكل لحمه؟

فأفتى الشيخ بحلها فقامت عليه قيامة العلماء يقولون إنها محرمة لأنها هي الموقوذة التي حرم الله أكلها، والشيخ يقول: إن الموقوذة هي ما ضربت بشيء غير محدد كالحجارة والخشب حتى ماتت، وهذه ذبحت قبل موتها.

والسؤال الثاني:

يوجد أفراد في هذه البلاد (الترنسفال) يلبسون البرانيط لقضاء مصالحهم وعود الفوائد عليهم، فهل يجوز ذلك أم لا؟

فأفتى أيضا بالجواز وقال: «أما لبس البرنيطة إذا لم يقصد فاعله الخروج من الإسلام والدخول في دين غيره فلا يعد مكفرا، وإذا كان اللبس لحاجة من حجب الشمس أو دفع مضرة أو دفع مكروه أو تيسير مصلحة لم يكره كذلك».

فهيجت عليه الجرائد كجريدة الظاهر، وأثارها محمد بك أبو شادي عليه حربا شعواء، وكذلك جريدة اللواء.

وزاد خصومه وقاحة فلفقوا صورة شمسية له مع بعض نساء الإفرنج وحملوها للورد كرومر، وأفهموه أن هذا في عرف المسلمين لا يجوز صدوره ممن يتولى منصب الإفتاء، فلم يأبه لقولهم. وصورته الجرائد الهزلية «كالأرنب وحمارة منيتي» بصور شنيعة، وحكم على أصحابهما بالحبس.

وهكذا لم يتورع خصومه أن يحاربوه بأسفل الوسائل، وكان بعض هذا يكفي لعدوله عن جهاده، وكان بعض أصدقائه كسعد زغلول وقاسم أمين يعيبون عليه إلحاحه في إصلاح الأزهر، وهو غير ممكن بهذا الوضع، وهو مع كل هذا مصر على المضي في عمله تشحذه الخصومة، ويأرق بعض الليالي مفكرا في وسائل الإصلاح ويقول: إن وجداني الديني لا يرضى بالصمت عن المفاسد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٤٢