تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخذ الشيخ محمد عبده يحرك مجلس الإدارة للإصلاح، وبدأ بالمسائل الشكلية من زيادة رواتب المدرسين وتنظيمها، ووضع لائحة لكساوي التشريف، وتنظيم الجراية ومساكن الطلبة والإشراف الصحي عليهم، والامتحان، فلما تعرض لشيء من الأساس، وهو ماذا يدرس في الأزهر، واختيار الكتب، وطرق التدريس، وبرامج الدراسة. زادت العقبات في سبيله، واضطر أخيرا إلى الانسحاب. فكانت معالجته «برشاما» للصداع لا علاجا لأصل الداء. وفي الحق أنه لم يكن يمكنه في مثل ظروفه غير ذلك. •••

ظل الشيخ محمد عبده يعمل في القضاء ويحرك مجلس إدارة الأزهر للإصلاح حتى سنة 1899، وحدث أن كثرت الشكوى من المحاكم الشرعية وقضاتها، ففكر مستشار الحقانية الإنجليزي في إلغائها وضمها إلى المحاكم الأهلية، ولكن حسبوا حسابا لهياج الرأي العام فأرادوا أن يفعلوا ذلك تدريجا، وذلك بتعيين مستشارين من محكمة الاستئناف عضوين في المحكمة الشرعية العليا، فلم يرض بذلك جمال الدين أفندي قاضي مصر التركي، ولا الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية، وعرض المشروع على مجلس شورى القوانين فرفضه، ووقف الشيخ حسونة موقفا شديدا صلبا انتهى بتركه المنصبين، ووقف المشروع، وكان الشيخ محمد عبده يطمح في أن يعين مكان الشيخ حسونة في المنصبين، فيقبض على ناصية الأزهر ويتمكن مما ينوي من إصلاح، ولكن أسرع الخديو فعين الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي للمشيخة، والشيخ محمد عبده للإفتاء، فأثر ذلك في نفس الشيخ محمد عبده وآمن بأن الخديو لا يطمئن إليه في باطن نفسه، ولم يمض نحو شهر حتى مات الشيخ القطب وعين مكانه الشيخ سليم البشري، فاعتقد الشيخ محمد عبده أن إصلاح الأزهر قد تعقد بهذا الوضع، فلم يكن يطمئن إلى الشيخ البشري اطمئنانه إلى الشيخ حسونة، ويراه لا يؤمن بإصلاح، ويداري ولا يصارح، ويعمل بإشارة السلطة لا بوحي من نفسه؛ ومع هذا فمنصب الإفتاء خلع على الشيخ محمد عبده وجاهة دينية ممتازة، وهو نفسه قد خلع على المنصب بشخصيته إجلالا واحتراما، وزاد في ذلك تعيينه في السنة نفسها عضوا دائما في مجلس شورى القوانين.

وظلت العلاقة بينه وبين الخديو عباس حسنة في ظاهر الأمر، فالخديو يستشيره إذا تعقدت الأمور بينه وبين الإنجليز، كاستشارته له عند ما أرادوا تعيين قاض مصري بدل القاضي التركي، وكان الخديو لا يرى هذا الرأي لأنه يضعف صلة مصر بتركيا ويمكن من سلطة الإنجليز، وكاستشارته له في مسألة «ليون فهمي» الأرمني، وكان قد قبض عليه الخديو وحبسه في سراي رأس التين لاتهامه بتزوير أختام باسم رئيس كتاب «يلدز» وأراد اللورد كرومر أن يفتش عنه في السراي، ورأى الخديو أن هذا منتهى الإهانة، وقد أشار الشيخ محمد عبده على الخديو بما أنقذه من الموقفين.

كان الشيخ محمد عبده إلى هذا الحين يتفق ورأى الإنجليز في أن الخديو ليس من مصلحته ولا مصلحة مصر أن يحارب جماعة تركيا الفتاة خدمة لتركيا وفيهم قوم أحرار لم يرضهم ظلم عبد الحميد ولا عسفه ولا استبداده، وأن الخير للخديو أن يوجه النظار إلى ترقية الشئون المصرية كالتعليم وإصلاح المحاكم الشرعية وإصلاح الأزهر، فهو بذلك يخدم بلاده.

والشيخ محمد عبده يصدر في هذا عن مزاجه وطريقته في التفكير والإصلاح، ويتكلم في ذلك في مجالسه الخاصة فيبلغ الخديو فيسرها له.

ولكن حدث أن خلا مكان لكسوة التشريفة في الأزهر فأراد الخديو أن يشغلها الشيخ محمد راشد مفتي المعية، ولم يكن تنطبق عليه اللائحة الموضوعة، فأوعز الشيخ محمد عبده بعدم تنفيذ ذلك الأمر وإعطائها للمستحق، وزاد الطين بلة أن العلماء لما اجتمعوا عند الخديو في التشريفات كلم الخديو شيخ الجامع في غضب وتوبيخ، فرد الشيخ محمد عبده في حدة: «إذا شاء أفندينا أن تكون كساوي التشريف بمقتضى إرادته الشخصية فليصدر بذلك قانونا آخر ينسخ هذا القانون» فلما سمع الخديو هذا الرد احمر وجهه ووقف إيذانا للحاضرين بالانصراف وآلى على نفسه أن يحرج المفتي ويكيد له حتى يخرجه من منصبه، وينتقم من فعلته.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٤١