تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مات الخديو توفيق وتولى الخديو عباس سنة 1892 وقد عاد من فيينا ممتلئا حماسة وغيرة وتصميما على مناهضة الاحتلال، وأخذه خطة جديدة غير خطة أبيه المستسلمة، والتف حوله بعض شباب مصر المتحمسين، وبقايا رجال الثورة العرابية الذين تألموا من الهزيمة ولم ييأسوا من تغير الحال، ووراءهم تركيا وفرنسا تشجعانهم على حركتهم، وقد ضاع نفوذهما على يد توفيق فأملا عودته على يد عباس.

وبدأ الخديو عباس بتغيير رجال الحاشية وإحاطة نفسه بما يتفق وسياسته، وبدأ يتعرف أحوال مصر بنفسه، ويتصل بالموظفين والأعيان، وأحيانا يرأس مجلس النظار، وبدأت إنجلترا تشعر بما سيصادفها من متاعب على يد هذا الشاب، وتنتهز الفرص لإحراجه، وقد وجدوا هذه الفرصة عندما أقال الخديو مصطفى فهمي باشا من رئاسة النظار، وعين حسين فخري باشا بدله من غير رجوع إليهم، وجاءت برقية من وزارة خارجية إنجلترا بعدم الموافقة على تعيين حسين فخري، وأنه لا بد من أخذ رأيها فيمن يعين، وأن الخديو إذا رفض فإن العاقبة ستكون وخيمة. وتحرجت الأمور، ورأى عباس أن تنازله عن العرش أهون من رجوع مصطفى فهمي، وأكثر من الاستشارات والاتصالات، وأخيرا وجد الحل في استقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا بالاتفاق مع اللورد كرومر، فكانت هذه أول صدمة للخديو عباس.

رأى الشيخ محمد عبده أن آمال عباس في الإصلاح يجب أن تستغل، ووضع خطة أن يتقرب إليه ويوثق الصلة به، ويحسن إليه برنامجه في الإصلاح مع حسن علاقته أيضا بالإنجليز، فيكسب السلطتين ويعتمد عليهما في تحقيق أغراضه الإصلاحية ويتم له ما يريد. ولكن ستبين الحوادث أن هذا خيال، وأن الجمع بين صداقة السلطتين كالجمع بين الماء والنار، وأن إرضاء إحداهما إغضاب للأخرى لا محالة.

على كل حال تقرب محمد عبده من عباس بواسطة محمد ماهر باشا، ورحب الخديو بذلك، إذ يسره أن يجمع حوله أقوياء الرجال، وتقابلا مرارا سرا وجهرا، وحسن إليه الشيخ محمد عبده أن يتجه إلى إصلاح الشعب الثلاث المتصلة بالدين، والتي لا شأن للإنجليز بها، والتي في صلاحها صلاح للأمة، وتقوية لمركز الخديو. إذ في ذلك برهان قوي على أنه إذا وكل إليه الأمر أحسن خيرا مما يحسن الإنجليز في إدارتهم، وهي: الأزهر، والأوقاف، والمحاكم الشرعية وليكن البدء بالأزهر فاقتنع الخديو بذلك، وكلفه تقديم تقرير، ففعل واعتمد، وصدر القرار بتشكيل مجلس إدارة للأزهر برياسة الشيخ حسونة، وفيه الشيخ محمد عبده، والشيخ عبد الكريم سلمان، مندوبين الحكومة، واعتمده مجلس النظار سنة 1895، وصدق عليه الخديو، وأتيحت الفرصة للشيخ محمد عبده لإصلاح الأزهر الذي تمناه من يوم أن كان مجاورا ساخطا على سوء حاله.

يا لله وإصلاح الأزهر! ما حاوله أحد ونجح، ولا الشيخ محمد عبده، لأن كل المحاولات كانت تتجه إلى هامش الموضوع لا أساس الموضوع، وكانت عن سبيل استرضاء أهله والخوف من أي قلق واضطراب، والأزهريون يتزعمهم طائفة ألفت القديم حتى عدته دينا، وكرهت الجديد حتى عدته كفرا، وعاشت في المغارات فلم تر ضوءا، وأفنت عمرها في فهم لفظ، وتخريج جملة، وتأويل خطأ. فلم تر حقائق الدنيا. فإذا أتى مصلح سمم أهله الجو حوله، واحتموا بالدين يخيفون به الحكومة، ويكسبون به عامة الشعب، وخنقوا الطائفة القليلة من شبابه النازعين إلى التجديد، وحرصوا على مراكزهم أن يكتسحها الإصلاح، وجاههم أن ينتقل إلى يد المصلحين، وبجانبهم طائفة أخرى تؤمن بالقديم عن صدق وإخلاص، ولكن عن ضيق أفق، وغفلة عن الحق، هم من جنس ما قال أهل الحديث عن بعضهم: «نتطلب دعوتهم ولا نقبل شهادتهم»، فتتجمع كل هذه العوامل، فيضطر المصلح أخيرا إلى الانسحاب إن غضب، أو المداراة والمسالمة والرضا إن لم يغضب. وتضطر الحكومة أن تتخلى عن إصلاح الأزهر حبا في السلامة، وتتركه يأكل بعضه بعضا، وتنشئ بجانبه المعاهد لمعلمي اللغة العربية والقضاء الشرعي، لتستطيع تنظيمها والإشراف عليها إذ أعجزها الإشراف على الأزهر، ومع هذا لا يخلو الجو من شغب يقلق بال الحكومة الحين بعد الحين، بين الأصل والفرع، وما يحتضنه الأزهر من طلاب وعلماء، وما تحتضنه الحكومة، وتترك ذلك للزمن، والزمن لا يحل المشكل، والمشكل لا يحل إلا بالعلاج الحاسم، وهو أن يتبع الأزهر الحكومة تبعية الجامعة، ويستقل استقلالها، ويخضع في نظمه لما ترشد إليه علوم التربية الحديثة ويرقى برقيها، ثم ينفذ ذلك من غير خشية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٤٠