تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان في مصر رأيان؛ رأي يقول: إنه لا أمل في الإصلاح الحقيقي إلا بزوال الاحتلال أولا، ورأي يرى أن الإصلاح الحقيقي الداخلي هو وسيلة الجلاء، وعلى الرأي الثاني كان الشيخ محمد عبده وأصحابه، وعلى الرأي الأول كان مصطفى كامل وأصحابه، وبينهما حرب عوان، يتهم الأولون الآخرين بالرعونة، ويتهم الآخرون الأولين بالرجعية والضعف.

وطبيعي أن يكون الزعماء السياسيون من الرأي الأول، والمصلحون الدينيون والاجتماعيون من الرأي الثاني. وفي الحق أن السيد جمال الدين كان زعيما للناحيتين أو على الأقل اعتقد أن رسالته إصلاح العقيدة الدينية والإصلاح السياسي بمهاجمة الاحتلال الأجنبي، ولكنهما لم يجتمعا إلا في يده، ثم من بعده دعا دعاة إلى هذا ودعاة إلى ذلك، فخلفه في مصر في إصلاح العقيدة الشيخ محمد عبده وتخلى عن السياسة، وخلفه في السياسة فقط عبد الله نديم، ثم مصطفى كامل، ثم سعد زغلول.

ومن الإنصاف إذا قومنا الشيخ محمد عبده في هذه الناحية أن نراعي كل ظروفه وكل الأحوال في زمنه، فلم يكن الشيخ محمد عبده بدعا في هذا الاتجاه، فمثله في ذلك كان السيد أحمد خان المصلح العظيم في الهند، فقد رسم خطته أن يصلح الشئون الاجتماعية والدينية لمسلمي الهند مع مسالمة الإنجليز حتى لا يحاربوه في إصلاحه.

ولما اقتنع بهذه النظرية سار عليها قولا وعملا، وقد استفتي مرة في الاستعانة بالأجانب فكان من فتواه: «قد قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف على جواز الاستعانة بغير المؤمنين وغير الصالحين على ما فيه خير ومنفعة للمسلمين، وأن الذين يعمدون إلى هذه الاستعانة لجمع كلمة المسلمين وتربية أيتامهم وما فيه خير لهم لم يفعلوا إلا ما اقتضته الأسوة الحسنة بالنبي

صلى الله عليه وسلم

وأصحابه، وأن من كفرهم أو فسقهم فهو بين الأمرين إما كافر أو فاسق، فعلى دعاة الخير أن يجدوا في دعوتهم وأن يمضوا على طريقتهم، ولا يحزنهم شتم الشاتمين ولا يغيظهم لوم اللائمين، فالله كفيل لهم بالنصر إذا اعتصموا بالحق والصبر».

فهو في هذه الفتوى يعبر عن مذهبه ويبرر موقفه، والقارئ لهذه الفتوى يشعر بما يشعر الأستاذ فيها من مرارة وغيظ.

على كل حال هذا مفتاح لفهم سياسته، وما لاقى في حياته من عناء، وفي إصلاحه من دسائس، وفي شخصه من تهم، وفي طريقه من عوائق. •••

عاد الشيخ محمد عبده وهو يأمل أن يكون ناظرا لدار العلوم أو أستإذن فيها، فيعيد فيها ما بدأ، وينير أذهان المعلمين لينيروا أذهان الطلبة، ولكن لم يرض الخديو توفيق بذلك، لأنه إذا فعل أوصل التيار الكهربائي إلى الأسلاك، وهو تيار بغيض إليه، ولعل الإنجليز أيضا لم يرضوا ولو شاءوا لضغطوا، فعين قاضيا أهليا في محكمة بنها ثم الزقازيق ثم عابدين، ثم عين مستشارا في محكمة الاستئناف، ولم يكن هذا غريبا، فقد كان يعين في القضاء أي مثقف ممن تمرن على المحاماة ولم تكن معه شهادة، أو ممن تخرج في دار العلوم أو نحو ذلك.

ورأى نفسه وهو قاض في وسط يدل بمعرفته للقوانين الفرنسية وشروحها، فأبت نفسه الطموح أن يكون أقل شأنا منهم، فبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاض في عابدين وسنه إذ ذاك نحو الأربعين، وجد فيها حتى بلغ شأنا لا بأس به، وقد أطلعه تعلمها على ميدان فسيح استفاد منه كثيرا مما قرأ في اللغة الفرنسية، وقد ترجم كتاب التربية لسبنسر بعد أن نقل من الإنجليزية إلى الفرنسية، وكان يكمل تعلمه الفرنسية برحلاته إلى سويسرا وفرنسا، ويستمع إلى بعض المحاضرات ويقابل بعض العظماء، وكما يقول: يجدد نفسه.

وقد امتاز في قضائه بتحريه الحق وتقديره العدالة أكثر مما يقدر نصوص القانون، ويرجع هذا إلى سعة أفقه ودراسته للشريعة الإسلامية وعدم تشكله تماما بالقلب القانوني، ولذلك شكا بعض زملائه من أنه يتحرر من النصوص القانونية، ولما سئل في هذا اعترف به ودافع عن وجهة نظره. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٨٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٨٣٩